في ضوء التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها قطاع التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية تصاعد الجدل السياسي حول الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأتمتة؛ حيث دعا عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، بيرني ساندرز، اليوم الثلاثاء، جيف بيزوس؛ مؤسس شركة أمازون، بشكلٍ علني إلى تحمّل المسؤولية الكاملة عما وصفه بأنه “فقدان الوظائف المحتملة” نتيجة التحول الإستراتيجي للشركة نحو الأتمتة المتقدمة.
وكتب ساندرز؛ في رسالة رسمية وموجّهة مباشرة إلى بيزوس، اطلعت عليها وكالة “رويترز”، محذرًا من التداعيات بعيدة المدى. وأكد قائلًا: “إذا نجحت أمازون في تنفيذ خطتها الضخمة للأتمتة، فسيكون لذلك تأثير عميق في العمال ذوي الياقات الزرقاء في جميع أنحاء أمريكا”.
وتابع: “من المرجّح أن تستخدم هذه الخطة كنموذج يحتذى به من قبل الشركات الكبرى الأخرى في البلاد”. ما يرسخ مفهوم فقدان الوظائف كأزمة وطنية محتملة.
الأرقام الصادمة لـ “فقدان الوظائف”
كان ساندرز، وهو عضو مستقل يصوّت عادةً مع الديمقراطيين، يشير في رسالته إلى تقرير بالغ الأهمية نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في وقت سابق من هذا الشهر.
واستند هذا التقرير إلى وثائق داخلية ومقابلات كشفت عن أن مسؤولي أمازون يعتقدون بأن 500 ألف وظيفة قد تُلغى تدريجيًا مع استبدال عمّال المستودعات البشريين بالروبوتات والأنظمة الذكية.
وهذا العدد الصادم يمثل جزءًا كبيرًا من إجمالي القوى العاملة لدى الشركة. إذ توظف أمازون حاليًا نحو 1.55 مليون شخص حول العالم، معظمهم من العمال بالساعة في المستودعات.
لذلك فإن أي حديث عن فقدان الوظائف بهذا الحجم يضع الشركة في قلب عاصفة سياسية واجتماعية تتجاوز حدود الأداء الاقتصادي البحت.
صمت «أمازون» وتخفيض العمالة الإدارية
وفي سياق متصل أفاد متحدث باسم أمازون بأن الشركة ليس لديها تعليق فوري على الرسالة الموجّهة إلى بيزوس. لكن تجدر الإشارة إلى أنها كانت أكدت سابقًا في مناسبات متعددة أن أهدافها في الأتمتة تهدف إلى مساعدة العاملين على أداء مهامهم الشاقة. وإلى توفير وظائف جديدة تتطلب مهارات أعلى في مجال التقنية.
وعلى صعيد متصل ذكرت وكالة رويترز، أمس الاثنين، أن أمازون تخطط لتسريح ما يصل إلى 30 ألف موظف إداري بدءًا من اليوم الثلاثاء. وذلك في إطار جهودها المستمرة لتقليص النفقات وإعادة الهيكلة. وهذا التخفيض يشمل الوظائف الإدارية وليس العمال بالساعة فقط. ما يوسع نطاق تأثير الأتمتة والكفاءة.
الكفاءة الآلية والسؤال عن التعويضات
أعلنت الشركة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، خفضًا أوليًا بنحو 14 ألف وظيفة. ويرتبط هذا القرار جزئيًا بالزيادة الملحوظة في الكفاءة الناتجة عن الاستخدام المكثف لبرامج الذكاء الاصطناعي في المهام المكتبية والإدارية.
وهذا يوضح أن التحدي لا يقتصر على الياقات الزرقاء، بل يمتد إلى الياقات البيضاء كذلك.
وفي رسالته لم يتوقف ساندرز عند التنديد بالأتمتة. بل سأل بيزوس صراحة عما إذا كانت أمازون ستقدّم تعويضات كافية للموظفين المسرّحين. إضافة إلى استمرار بعض مزايا الرعاية الصحية لهم. وذلك السؤال يضع معيارًا أخلاقيًا للشركات العملاقة إزاء العمال الذين ساهموا في بناء ثروتها.

الدعم الفيدرالي والثراء المؤسسي
انتقل ساندرز ليذكّر بأن عمّال شركة أمازون تلقّوا في الماضي دعمًا فيدراليًا لتغطية تكاليف أساسية. مثل: الغذاء والسكن والرعاية الصحية. وهو ما يشير في نهاية المطاف إلى أن الدولة هي من تحملت جزءًا كبيرًا من التكلفة الاجتماعية للعمالة.
وعلى النقيض من ذلك أشار إلى أن الشركة نفسها حصلت على “مليارات الدولارات” من العقود الحكومية. ما يثير تساؤلات حول التوازن بين الدعم العام للشركة وعدم تحملها الكامل للمسؤولية الاجتماعية تجاه موظفيها الأساسيين.
مطالبة« ساندرز» بخطة دعم شاملة
وفي مطالبة مباشرة تلخص جوهر الرسالة قال ساندرز مخاطبًا جيف بيزوس: “ما خطط أمازون لتقديم المساعدة والدعم لمئات الآلاف من العمال الذين تستبدلهم بالروبوتات والذكاء الاصطناعي؟”.
هذه المطالبة تتجاوز فكرة التعويضات الفردية لتشمل ضرورة وضع خطة دعم شاملة للعمال المتأثرين بالتحول التقني. هذا
في حين يهدف ذلك الضغط بشكلٍ كبير إلى إجبار أمازون على توفير المزيد من البرامج لإعادة التدريب أو إيجاد مسارات وظيفية جديدة.
دور «بيزوس» و«جاسي» في الأتمتة
ومن المهم الإشارة إلى أن بيزوس يشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة. ولم يعد يدير العمليات اليومية للشركة منذ أن عيّنت أمازون آندي جاسي مديرًا تنفيذيًا في عام 2021. ورغم تراجع دوره التنفيذي، إلا أن ساندرز وجه الرسالة إلى بيزوس بصفته المؤسس وأكبر المساهمين نفوذًا.
وكان آندي جاسي صرّح في وقت سابق من هذا العام بأن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي ستؤدي بالفعل إلى تقلّص القوى العاملة الإدارية في الشركة التي تتخذ من سياتل مقرًا لها. وهو ما يؤكد أن إستراتيجية التخفيض تستند إلى رؤية تقنية واضحة.
سجل المواجهة النقابية
يُشار إلى أن ساندرز كثيرًا ما اشتبك مع أمازون وبيزوس في قضايا سابقة تتعلق بظروف العمل في المستودعات. بالإضافة إلى اتهامات وجهها لهما باستخدام أساليب مضادة لتشكيل النقابات العمالية.
ويوضح هذا السجل الطويل من المواجهة أن رسالة فقدان الوظائف ليست حدثًا معزولًا. بل هي حلقة ضمن سلسلة من المطالب السياسية والاجتماعية التي تستهدف ممارسات الشركة العملاقة.


