يتجه الجيل الجديد في الصين إلى البحث عن بدائل لنماذج العمل القديمة المرهقة. والمعروفة باسم “996”، من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً. فعلى سبيل المثال، يعيش شباب مجتمع أنجي للرحل الرقميين (DNA)، الذي يقع وسط حقول الشاي قرب مدينة هانغتشو، نموذجاً جديداً للحياة. حيث يلتزم هؤلاء بجداول عمل صارمة.
كما يسعون إلى تطوير تطبيقات أو كتابة سيناريوهات أفلام حسب وقتهم الخاص. إلى جانب تناول قضايا الذكاء الاصطناعي، وممارسة الرياضة، أو إعداد وجبات جماعية.

الصين تحتوي مجتمعات الرحل الرقميين
أيضاً ظهرت مجتمعات مماثلة في مدن مثل دالي جنوب غرب الصين ويي تشون في الشمال. خاصة بعد جائحة كورونا حيث غادر كثير من الشباب المدن الكبرى، مثل: بكين وشنغهاي هرباً من الضغوط والغلاء، بحثاً عن حياة هادئة ومرنة.
أما من وجهة نظر الحكومة الصينية، نظرت إلى هذه المجتمعات بعين الشك، واعتبرتها جزءاً من ثقافة “الاستلقاء المسطح“، أي الاكتفاء بالحد الأدنى من الجهد.
ولكن سرعان ما أعادت بكين النظر وبدأت تدعم هذه التجارب، حيث وجدت فيها حلاً مبتكراً لتعزيز النمو المحلي. نظرا لتراجع مؤشر الاقتصاد الصيني نتيجة الرسوم الجمركية الأمريكية وصعوبة توفير وظائف كافية للشباب.
نموذج إحياء الحياة الريفية في الصين
بالرجوع إلى الحديث عن مجتمع أنجي، فقد بدأ هذا التوجه كتجربة فردية دون دعم رسمي، ثم تطور إلى كونه نموذجاً لـ”إحياء الريف”.
كما يسعى هذا التوجه إلى سد فجوة الدخل بين المدن والأرياف عبر جذب الاستثمار والسياحة والاستهلاك إلى المناطق الريفية، وهو هدف استراتيجي للحزب الشيوعي الصيني.
أيضا وصفت صحيفة وركرز ديلي الرسمية هذه التجربة بأنها “جلبت الفضول والإبداع والحيوية للريف” و”ضخت طاقة جديدة في عملية إنعاش القرى”.
علاوة على ذلك, يعد الهروب من الضغط النفسي والبحث عن حرية أكبر أهم دوافع سكان هذه المجتمعات.
كذلك، يقول فان سو، المؤسس المشارك والمدير الحالي لمجتمع أنجي” لدى الشباب اليوم رغبة قوية في رسم حياتهم الخاص. أو اتباع أسلوب حياة مختلف عن الماضي.”
ومن المفترض أن هذه المجتمعات ستتحول إلى أحد الاتجاهات الرئيسية لمستقبل العمل في الصين، ولن تبقى مجرد تجربة مؤقتة.نظرا للتوافق بين مستهدفات الحكومة الصينية وطموحات الشباب الباحثين عن حياة أكثر مرونة وابتكار.
فان..نموذج حي على مجتمعات الرحالة الرقميين
قضت فان، البالغة من العمر 38 عاماً، معظم سنوات العشرينات في السفر والتنقل بين أماكن مختلفة داخل الصين وخارجها، حتى استقرت في مدينة دالي المعروفة بـ”داليفورنيا” الواقعة في الجنوب الغربي. وهي مدينة جبلية اشتهرت بطابعها البوهيمي.
وجدت فان في دالي واجهتها المفضلة حيث منحتها الشعور بالمجتمع والانتماء، إلى جانب إمكانات جديدة وأساليب حياة بديلة لم تعهدها من قبل.
وبمرور عقد من الحياة هناك، طرحت فان تطرح على نفسها سؤال: لماذا يقتصر هذا النمط الفريد على دالي فقط؟
ومن هنا جاءت لديها فكرة إنشاء بيئة شبيهة تجمع بين الدعم المجتمعي والحرية الفردية في أماكن أخرى من الصين.
ففي عام 2021، قررت فان مع اثنين من أصدقائها تأسيس مجتمع بديل في ريف أنجي، على بعد ساعة واحدة بالسيارة من مدينة هانغتشو، معقل الشركات العالمية مثل علي بابا وديبسيك. واختار المؤسسون موقعاً كان في الأصل مصنعاً قديماً. ثم قاموا بتحويله إلى موقع آدمي يسمح بالعيش، تحيط بها تلال الشاي الخضراء وغابات الخيزران، ما يوفر بيئة طبيعية ملهمة تجمع بين الراحة والإنتاجية.
أيضا اختارت فان ريف أنجي نظرا لموقعها الاستراتيجي القريب من مدينتي شنغهاي وهانغتشو. ما يسهل الوصول إليها عبر السيارة أو قطار فائق السرعة. حيث يبحث الموظفون في الشركات الكبرى عن إجازة قصيرة للاستراحة من ضغط العمل. وتنظم شركات التكنولوجيا معسكرات تدريب وأنشطة جماعية داخلها.
تغيير نمط الحياة..قرار إجباري أم إختياري
فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جمركية ضخمة على البضائع الصينية. ما تسبب في تراجع الاقتصاد الصيني وزيادة صعوبة الأوضاع التي يواجهها الباحثون عن عمل.
أيضا دفع تفاقم أزمة العقارات العديد من المحللين إلى التنبؤ بفشل الصين في تحقيق هدفها المعلن للنمو السنوي عند مستوى 5% بنهاية العام.
علاوة على ذلك، تعتبر البطالة بين الشباب أحد أقوى التحديات التي تواجه الحكومة الصينية. حيث إن الكثير من الخريجين الجدد أنهوا دراستهم بسبب جائحة كورونا وجدوا أنفسهم أمام سوق عمل غير مناسب لهم. حيث بلغت نسبة البطالة إلى 21.3%
وفي أغسطس الماضي، بلغت نسبة البطالة بين الفئة العمرية 16 إلى 24 عاماً نحو 18.9%. ما يعد خطرا على الوضع السياسي لجهورية الصين.
بالتالي، يصبح التحدي الحقيقي هو خلق فرص عمل مغرية للخريجين الذين لا يرغبون في الانضمام إلى خطوط الإنتاج التقليدية.
المقال الأصلي: من هنـا


