تركت جوليا كوخ، إحدى أغنى نساء العالم، بصمة فريدة تتجاوز مجرد امتلاك الثروات الطائلة؛ فهي مثال بارز على كيف يمكن للمال أن يكون أداة قوية للخير والعطاء.
ورثت “كوخ” ثروتها الهائلة من زوجها الراحل ديفيد كوخ، لكنها لم تكتفِ بإدارة هذه الثروة الضخمة؛ بل كرست جهودها لتحويلها إلى قوة دافعة للتغيير الإيجابي، مدعومةً بإيمان راسخ بأن الثراء الحقيقي يكمن في العطاء، وليس التملك.
هذه السيدة التي انطلقت من بيئة زراعية بسيطة، لتجد طريقها في عالم الموضة الصاخب بمدينة نيويورك، لم تكتفِ بالنجاح الشخصي. بل تحولت إلى قائدة بارزة في العمل الخيري، فتبوأت مناصب رئاسية في مؤسسات كبرى.
وقد استثمرت الملايين التي قدمتها بسخاء في دعم الأبحاث الطبية الرائدة، وإنشاء مراكز صحية متخصصة. إلى جانب رعاية المؤسسات الفنية والثقافية. لتظل قصة جوليا كوخ، مثالًا حيًا يبرهن على أن الثروة قد تكون إرثًا يورث، لكن العطاء هو الاختيار الذي يصنع الفارق الحقيقي ويخلد الأثر الإنساني.

الحياة المبكرة والتعليم
ولدت جوليا كوخ في الثاني عشر من أبريل عام 1962، بمدينة دي موين في ولاية أيوا. وعلى الرغم من أن عائلتها تنحدر من أصول زراعية بسيطة، فإن والديها كانا يمتلكان متجرًا للأثاث يحمل اسم “فليشر”. وقد أمضت جوليا طفولتها المبكرة في إنديانولا بأيوا، ما أكسبها فهمًا عميقًا للبيئة الريفية التي نشأت فيها.
ولاحقًا، وتحديدًا في الثامنة من عمرها، انتقلت عائلتها إلى كونواي، أركنساس؛ حيث افتتح والداها متجرًا للملابس باسم “بيجي فريدريك”. هذا المتجر، الذي وصفته جوليا لاحقًا بأنه “متجر رائع”، عكس نشأتها في بيئة تقدر العمل التجاري.
وبحلول عام 1998، كانت والدتها لا تزال مقيمة في كونواي، في حين عاد والدها إلى إنديانولا، ما يؤكد ارتباط العائلة بجذورها.
وبعد تخرجها في جامعة سنترال أركنساس، شقت جوليا طريقها في عالم الموضة كعارضة أزياء، ثم اتخذت قرارًا مصيريًا بالانتقال إلى مدينة نيويورك عام 1984.
وهناك، عملت مساعدة لمصمم الأزياء الشهير أدولفو، وكانت مسؤولة عن تجهيزات نانسي ريجان، وهو ما منحها خبرة واسعة في عالم الأزياء الراقية، الذي يتباين تمامًا مع بيئتها الريفية البسيطة التي ولدت فيها.
المسيرة المهنية
بحلول عام 1993، توقفت جوليا عن العمل، لتتزوج من ديفيد كوخ في مايو 1996 بساوثهامبتون. وخلال ديسمبر من عام 1997، كان لها ما وصفته صحيفة “نيويورك تايمز” بـ “ظهورها الأول في مجتمع نيويورك الراقي” خلال حفل “ميت غالا” الشهير؛ حيث شاركت جوليا في رئاسة الحفل مع كل من آنا وينتور وباتريك مكارثي.
وأكد “مكارثي” في تعليق له على تأثيرها وحضورها اللافت، قائلًا: “إنها واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون في نيويورك كل بضع سنوات، إنها جميلة، تحب الموضة، وتعرف كيف تسلي الآخرين، ومتزوجة من رجل ثري بشكل غير عادي”.
أنجبت جوليا ثلاثة أطفال من ديفيد كوخ، وعاشت العائلة لسنوات في شقة بفيفث أفينيو، قبل أن تنتقل في عام 2004 إلى شقة دوبلكس مكونة من 18 غرفة في بارك أفينيو. والتي تعد من أغلى المباني السكنية بالعالم.
ووفقًا لما جاء في كتاب “740 بارك: قصة أغنى مبنى سكني في العالم”، فقد اشترى ديفيد الشقة مقابل 17 مليون دولار من الحكومة اليابانية. وفي عام 2018، اشترى الزوجان منزلًا آخر في مانهاتن مكونًا من ثماني غرف نوم، وذلك مقابل 40.25 مليون دولار، ما يعكس حجم ثروتهما العقارية الهائلة.
تأثير الثروة والإرث
وبعد وفاة ديفيد كوتش في أغسطس 2019، ورثت جوليا وأطفالها الثلاثة حصة ضخمة بلغت 42% من شركة “كوتش إندستريز”.
ونتيجة لهذا الإرث، أدرجتها وكالة بلومبرج ضمن قائمة أغنى امرأة في العالم. كما حجزت جوليا مكانًا لها في قائمة فوربس لأغنى 10 نساء في العالم لعام 2020، ما وضعها تحت الأضواء العالمية.
وفي تطور لاحق، عرضت “كوخ” شقتها الشهيرة في 740 بارك أفينيو للبيع في عام 2022؛ حيث أوضح متحدث باسمها أنها تفضل قضاء وقت أطول في منازلها في ساوثهامبتون وبالم بيتش.
وحاليًا، تشغل “كوخ” منصب عضو مجلس إدارة شركة “كوتش للصناعات”، وتعرف عنها أنها لا تسعى لجذب انتباه الجمهور. مفضلةً بذلك الحفاظ على خصوصية حياتها بعيدًا عن الأضواء.
مسيرة العطاء والإسهامات الخيرية
تعدّ جوليا كوخ من أبرز الشخصيات في مجال العمل الخيري؛ حيث تتولى منصب رئيسة مؤسسة ديفيد إتش كوخ، التي أعلنت عن تبرعات تجاوزت 200 مليون دولار حتى عام 2022.
وقد وجهت هذه الأموال لدعم مجالات حيوية مثل العلوم، والبحث الطبي، والتعليم، والفنون. علاوة على ذلك، أسست مؤسسة جوليا كوخ العائلية، التي تواصل دعمها للمنظمات الصحية والتعليمية والثقافية. ما يعكس التزامها العميق بتمويل القطاعات التي تؤمن بها.
وفي الفترة ما بين عامي 2007 و2017، تبرعت كوخ وزوجها بمعدل 63 مليون دولار سنويًا، بما في ذلك التبرعات السخية للفنون والبحث الطبي، وهو ما يوضح حجم عطاء العائلة.
وخلال حياة ديفيد كوخ، وصل إجمالي تبرعاتهما إلى 1.2 مليار دولار لمؤسسات بارزة مثل مركز لينكولن، ومتحف متروبوليتان للفنون، ومتحف سميثسونيان للتاريخ الطبيعي. بالإضافة إلى مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان ومستشفى نيويورك-بريسبتيريان. وهي مؤسسات تعد من أعمدة الثقافة والرعاية الصحية في الولايات المتحدة.

دعم الصحة والبحث العلمي
علاوة على ذلك، قدمت كوخ في عام 2012 منحة بقيمة 10 ملايين دولار إلى المركز الطبي ماونت سيناي في نيويورك. ما أسفر عن إنشاء برنامج ديفيد إتش وجوليا كوخ للأبحاث في علاجات حساسية الطعام.
وعام 2016، تبرعت بـ10 ملايين دولار أخرى لإنشاء عيادة ديفيد وجوليا كوخ للحساسية والربو في مستشفى لوسيل باكارد للأطفال بجامعة ستانفورد. ما يؤكد اهتمامها الكبير بقطاع الصحة.
ولم يتوقف عطاؤها عند هذا الحد، فقد دعمت أيضًا خدمات الصحة العائلية LSA ومركز نيويورك لانجون. وهو ما أدى إلى تأسيس منحة جوليا كوخ الموهوبة.
وفي عام 2024، تبرعت بمبلغ ضخم قدره 75 مليون دولار لمركز NYU Langone عبر مؤسسة جوليا كوخ العائلية. بهدف بناء مركز جوليا كوخ للعناية بالمرضى الخارجيين في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا. وهو ما يبرهن على سخائها اللامحدود في دعم الرعاية الصحية.
كما تعد كوخ أيضًا عضوًا فاعلًا في مجالس إدارة العديد من المؤسسات الثقافية والصحية المرموقة. فهي عضو في مجلس أمناء كل من مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان، ومتحف متروبوليتان للفنون، ومؤسسة التراث الفينيسي، وهي مناصب تعكس مكانتها البارزة. وكانت في السابق عضوًا في مجلس إدارة مدرسة الباليه الأمريكية.


