ثمة جزم راسخ يترسخ في أذهان القادة والمؤسسات مفاده تبني مبادئ الحركية والتطور، والانحياز نحو المرونة المؤسسية كركيزة أساسية للنجاح، والتوجه نحو تحقيق الأهداف المنشودة بكفاءة وفاعلية. ومع ذلك، يلوح في الأفق جزم آخر، بقدر لا يقل عنه رسوخًا، بأن الكثير من ممارساتنا لا تزال أسيرة الجمود، حبيسة قوالب نمطية قد تصل بنا إلى درجة التسليم المطلق بأنه لا سبيل آخر غيرها. ما يستدعي وقفة تأمل وتقييم لهذه المسلمات الراسخة.
المرونة المؤسسية
وبدليل قاطع على هذا الجمود المبطن، يظهر انحيازنا المستمر لما نطلق عليه زورًا وبهتانًا “أفضل الممارسات”؛ حيث نسكن إلى وهم الاطمئنان بأن مفتاح النجاح يكمن في استيراد هذه الممارسات وتطبيقها بحذافيرها. متناسين السياقات المختلفة والطبيعة الفريدة لكل مؤسسة. وبالطبع، فإن هذا الاعتماد المفرط على نماذج خارجية قد يحجب عنا رؤية نقاط قوتنا الكامنة وفرصنا المتاحة. ويقودنا إلى تقليد سطحي لا يلامس جوهر التحديات التي تواجهنا. ما يقوض من قدرتنا الحقيقية على التكيف والنمو.
ولكن، يتعين علينا أن نميز بدقة بالغة بين ما نقوم به عن قناعة بصوابه بناءً على تحليل معمق وتقييم موضوعي. وبين ما نفعله لمجرد أنه مألوف ومتوارث، ترسخ عبر الزمن دون مراجعة أو تدقيق. هذا الفارق الدقيق، الذي قد يبدو للوهلة الأولى بسيطًا وعابرًا، يحمل في طياته قوة كامنة قادرة على إحداث تحولات جذرية في مسار المؤسسات. فهو الخط الفاصل بين مؤسسات تنطلق بثبات وثقة نحو آفاق المستقبل في خضم عصر يموج بالتحولات الكبرى. وأخرى تتآكل قواها تدريجيًا وهي أسيرة اعتقاد خاطئ بأنها تسير على الطريق الصحيح نحو تحقيق أهدافها.

مواجهة تعقيدات العصر الحديث
وفي هذا السياق الحرج، يبرز كتاب “Detonate” لمؤلفيه البارعين Geoff Tuff و Steven Goldbach. وهما من قادة الفكر المرموقين في مؤسسة Deloitte، ليناقش هذه القضية الحيوية بأسلوب الخبير الجراح الذي يشخص الداء بدقة ويقدم العلاج الناجع. يتناول الكتاب بعمق مفهوم المرونة المؤسسية وأهميتها القصوى في مواجهة تعقيدات العصر الحديث. مؤكدًا على ضرورة التخلي عن الأنماط الجامدة وتبني عقلية النمو والتكيف المستمر.
وتتمحور الفكرة المركزية التي يدور حولها هذا العمل الفكري الهام حول حقيقة مفادها أن العديد من التصرفات التي نعتبرها من المسلمات وندرجها تحت مسمى “أفضل الممارسات”، ليست في حقيقتها سوى عقائد مؤسسية بالية. أو ما أسماه المؤلفان بدقة “أرثوذوكسيات” راسخة تحولت بمرور الوقت إلى مقدسات لا يجوز المساس بها أو التشكيك في جدواها. هذه الرواسخ لم تكتسب قدسيتها بالضرورة من نجاحها الفعلي وقدرتها على تحقيق النتائج المرجوة. بل لأنها ظلت لفترة طويلة بمنأى عن أي مساءلة أو تقييم نقدي. ما أدى إلى تكريسها كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش.
رؤىً ثاقبة لتفكيك الجمود المؤسسي
يوفر الكتاب، تشريحًا عميقًا لما يصفه المؤلفان بـ”الدائرة المفرغة” التي غالبًا ما تجد المؤسسات نفسها عالقة بداخلها. ويوضح الكتاب بأسلوب تحليلي دقيق كيف أن تلك المعتقدات المؤسسية الراسخة تقود إلى تفاقم المشكلات بدلًا من حلها؛ فكلما واجهت المؤسسة ضغوطًا وتحديات متزايدة، فإن رد الفعل التقليدي يتمثل في فرض المزيد من الإجراءات والقيود التنظيمية، وإجراء تحليلات أكثر تفصيلًا.
ونتيجة لذلك، تثقل حركة المؤسسة وتتعقد عملياتها، ما يزيد من الضغوط الواقعة عليها. لتعود وتضاعف من أدوات السيطرة والرقابة في محاولة يائسة لاستعادة النظام. هذه الدائرة تتسارع وتيرتها باستمرار، ولا يمكن كسرها إلا من خلال امتلاك الجرأة الكافية للتساؤل عن تلك المسلمات التي تبدو بديهية. وإعادة تقييم الأسس التي تقوم عليها الممارسات اليومية.
التنفيذ العملي هو الفارق
يبدو هذا الطرح الذي يقدمه الكتاب مألوفًا للوهلة الأولى؛ إذ إن فكرة تحدي المسلمات المؤسسية الراسخة، أو تبني ما يعرف بـ”عقلية المبتدئ” التي تتسم بالفضول والانفتاح. أو ممارسة “الشك الإيجابي” الذي يدفع إلى التفكير النقدي، قد طُرحت مرارًا وتكرارًا في أدبيات الإدارة والتطوير المؤسسي. ومع ذلك، يكمن العنصر المميز والفريد في هذا الكتاب في أن المؤلفين لا يكتفيان بتقديم تحريض ذهني أو دعوات عامة للتغيير. بل يتجاوزان ذلك ليقدموا ما هو أبعد وأكثر عملية.
وينتقل الكتاب إلى تقديم نموذج عملي ومنهجي للتعامل الفعال مع هذه العقائد المؤسسية المتجذرة. والأهم من ذلك، أنه يضع اليد بوضوح ودقة على العوائق المؤسسية الصلبة التي تعيق عملية التغيير والتجديد. ولا يقتصر تحليله على العوائق الناعمة أو تلك المتعلقة بالجوانب الفردية فحسب. يقدم الكتاب أدوات واستراتيجيات ملموسة للمساعدة في تحديد هذه العقائد، وفهم جذورها وتأثيرها السلبي على المرونة المؤسسية. ومن ثم اقتراح آليات عملية لتفكيكها وإعادة بناء أسس جديدة أكثر تكيفًا مع متطلبات العصر.
رحلة متكاملة من الوعي إلى الفعل
يتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء رئيسية متكاملة، تتضمن ثلاثة عشر فصلًا مترابطًا. ينسج المؤلفان عبرها سردًا متماسكًا يأخذ القارئ في رحلة تبدأ من إدراك أهمية التغيير وضرورة التشكيك في الممارسات الراهنة. وصولًا إلى تقديم خطوات عملية وملموسة لتنفيذ هذا التغيير على أرض الواقع.
-
إشعال الفتيل
يركز الجزء الأول الذي يحمل عنوان “أشعل الفتيل” على وضع الأساس المفاهيمي للكتاب. ويشرح المؤلفان بعمق كيف أن جزءًا كبيرًا مما تقوم به المؤسسات اليوم يستند إلى ما يطلق عليه “حكمة تقليدية” أو ممارسات كانت ناجحة في الماضي ولكنها لم تعد كذلك في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها عالم الأعمال. ويتناول هذا الجزء الفخ الذي غالبًا ما تسقط فيه المؤسسات، وهو فشلها في الاستجابة بفاعلية للتغيرات المحيطة بها. وميلها اللاواعي إلى تبني المزيد من الانضباط والقيود الصارمة عند مواجهة المخاطر. وهو ما يؤدي في الواقع إلى تسريع وتيرة انهيارها الداخلي وتقويض قدرتها على التكيف.
-
تفجير أدلة العمل
يمثل الجزء الثاني الذي يحمل عنوان “فجّر أدلة العمل” جوهر الكتاب وعموده الفقري. ويقوم المؤلفان في هذا الجزء بتفكيك سبع عقائد شائعة ومترسخة تعدّ تقليديًا من “أفضل الممارسات” في عالم الأعمال. ويوضحان بأسلوب مقنع كيف أن هذه الممارسات، التي ينظر إليها غالبًا على أنها وصفات جاهزة للنجاح، قد تحولت في الواقع إلى عوائق حقيقية تعيق عملية التجديد والابتكار داخل المؤسسات. وتحد من قدرتها على تحقيق المرونة المؤسسية المطلوبة لمواجهة تحديات المستقبل.
-
بناء شيء أفضل
أما الجزء الثالث والأخير الذي يحمل عنوان “ابنِ شيئًا أفضل”، فهو بمثابة دعوة عملية للبدء في بناء مستقبل جديد للمؤسسة. ويقترح المؤلفان البدء من زاوية صغيرة داخل المؤسسة؛ حيث يمكن إجراء تجارب وتعلم دروس قيمة والبناء عليها تدريجيًا لتوسيع نطاق التغيير. يبدأ هذا الجزء بتحديد النقاط التي يمكن من خلالها كسر حالة الجمود المؤسسي.
ويقترح مجموعة من الأدوات والاستراتيجيات القيادية التي تركز على إثارة الفضول وطرح الأسئلة الذكية والمستفزة للتفكير. بدلًا من تقديم إجابات جاهزة وقوالب نمطية. وينتهي الكتاب بفصل ملهم حول “أفكار الحد الأدنى”. وهي تلك الأفكار الجديدة والمبتكرة التي تحتاج إلى رعاية واهتمام وتجريب. بدلًا من الحكم عليها بسرعة أو تجاهلها بناءً على معايير الماضي.

في النهاية، يتبدى لنا جليًا أن تبني المرونة المؤسسية ليس مجرد خيار استراتيجي، بل ضرورة حتمية لمواكبة تعقيدات العصر الحديث وضمان الازدهار في خضم تحولاته المتسارعة. وكما أبان كتاب “Detonate”، فإن التحرر من قيود “الأرثوذوكسيات” المؤسسية المتجذرة، والشروع في رحلة استكشاف وتقييم نقدي لممارساتنا الراهنة. هو السبيل الأمثل لإطلاق الطاقات الكامنة وتحقيق النمو المنشود.


