تُشكّل قصة نجاح فيليب فيشر، الذي يعد أحد أعمدة الاستثمار في القرن العشرين، نموذجًا فريدًا للمستثمر الذي لم يكتف بالأرقام والبيانات المالية، بل تعمق في فهم الجوانب النوعية للشركات. فيشر، الذي اشتهر بكتابه “الأسهم العادية والأرباح غير العادية”، لم يكن مجرد محلل مالي. بل كان بمثابة “مكتشف” للفرص الاستثمارية الواعدة.
أضف إلى ذلك، أنه لم يركز على المضاربة قصيرة الأجل. بل كان يؤمن بأهمية الاستثمار طويل الأمد في الشركات التي تتمتع بإمكانيات نمو مستدامة.
فيليب فيشر
من ناحية أخرى، لم يقتصر فيشر على تحليل البيانات المالية للشركات، بل كان يولي أهمية قصوى للجوانب غير المادية. مثل: جودة الإدارة، والقدرة على الابتكار، والرؤية الإستراتيجية. وفي حين أن العديد من المستثمرين يركزون على الأرقام والنسب المئوية. كان فيشر يبحث عن الشركات التي تتمتع بـ “ميزة تنافسية” حقيقية، والتي يصعب على المنافسين تقليدها. كذلك، كان فيشر يؤمن بأهمية لقاء المديرين التنفيذيين للشركات. وفهم طريقة تفكيرهم، وتقييم مدى جودة رؤيتهم للمستقبل.
وبينما كان فيشر يعتمد على التحليل النوعي بشكلٍ كبير، لم يتجاهل أهمية التحليل الكمي. كما كان يدرس البيانات المالية للشركات بعناية، ويحلل قوائم الدخل والميزانية العمومية. ويتأكد من أن الشركة تتمتع بوضع مالي قوي. بالإضافة إلى ذلك، كان فيشر يحرص على فهم الصناعة التي تعمل بها الشركة. وتقييم مدى قدرتها على النمو والتوسع في المستقبل. وبفضل هذا النهج الشامل والمتكامل، تمكن فيشر من تحقيق عوائد استثمارية استثنائية على مدى عقود. ليصبح واحدًا من أشهر وأنجح المستثمرين في التاريخ.

الولادة والحياة المُبكرة
وُلد فيليب فيشر في 8 سبتمبر 1907م، في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية، ليصبح فيما بعد أحد أبرز الشخصيات في عالم الاستثمار. ومؤسس شركة “Fisher & Co”، التي أدارها حتى تقاعده عام 1999م عن عمر يناهز 91 عامًا.
بدأ فيشر مسيرته المهنية في عام 1928م كمحلل للأوراق المالية في بنك Anglo-London في سان فرانسيسكو. وذلك بعد أن ترك كلية الدراسات العليا للأعمال في جامعة ستانفورد.
وفي وقت لاحق، عاد فيشر إلى جامعة ستانفورد ليصبح واحدًا من ثلاثة أشخاص فقط قاموا بتدريس دورة الاستثمار في الجامعة. وبعد فترة قصيرة قضاها في شركة للبورصة، أسس فيشر شركته الخاصة لإدارة الأموال، Fisher & Co، في عام 1931م.
الاستثمار طويل الأجل
تخصص فيشر في الاستثمار طويل الأجل في الشركات المبتكرة التي تقودها البحوث والتطوير. والتي كانت في ذلك الوقت لا تزال في طور النمو؛ حيث اشتهر بأسلوبه الفريد في البحث عن الشركات ذات الإمكانات العالية للنمو. والتي كان يشتري أسهمها بأسعار معقولة، ويحتفظ بها لفترات طويلة.
ومن أبرز الأدوات التي استخدمها فيشر في تحليله للشركات هي أداة “سكوتلبوت” أو “الكرمة”؛ حيث كان يعتمد عليها في جمع معلومات دقيقة وشاملة عن الشركات التي يرغب في الاستثمار فيها. وذلك من خلال التواصل مع الموظفين والعملاء والموردين والمنافسين. وكان فيشر يعتقد أن هذه المعلومات تساعده في اتخاذ قرارات استثمارية أكثر استنارة.
كتاب غيّر مفاهيم الاستثمار
لم يكن فيشر معروفًا للجمهور حتى نشر كتابه الأول “الأسهم العادية والأرباح غير العادية” في عام 1958م، والذي حقق نجاحًا كبيرًا وشهرة واسعة؛ إذ يعد هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا في عالم الاستثمار، وساهم في تغيير مفاهيم الاستثمار التقليدية؛ حيث دعا إلى التركيز على الشركات ذات الإمكانات العالية للنمو، والاستثمار فيها على المدى الطويل.
ومن أشهر استثمارات فيشر شرائه لشركة موتورولا في عام 1955م، عندما كانت شركة مصنعة للراديو؛ حيث احتفظ بأسهم الشركة حتى وفاته. وحقق من هذا الاستثمار أرباحًا طائلة؛ إذ تحولت موتورولا في عهده إلى واحدة من أكبر شركات الاتصالات في العالم.

وارن بافيت يشيد بكتاب فيليب فيشر
في اجتماع المساهمين السنوي لشركة بيركشاير هاثاواي 2018، أشاد وارن بافيت، أسطورة الاستثمار ورئيس مجلس إدارة الشركة، بكتاب فيليب فيشر “الأسهم العادية والأرباح غير العادية”. واصفًا إياه بأنه “كتاب جيد جدًا جدًا”. وأكد بافيت أهمية الكتاب في عالم الاستثمار. مشيرًا إلى أنه لا يزال مرجعًا أساسيًا للعديد من المستثمرين.
أضف على ذلك، أشار بافيت إلى أن تقنية “سكوتلبوت” الخاصة بفيشر، والتي تعتمد على البحث الدقيق عن المعلومات حول الشركات من مصادر متنوعة، لا تزال طريقة فعالة للاستثمار. وأن شركة بيركشاير هاثاواي لا تزال تستخدم هذه التقنية حتى اليوم، من خلال مديري الاستثمار تيد ويشلر وتود كومز.
من ناحية أخرى، كشف جون ترين، وهو كاتب ومحلل مالي معروف، عن تقديره للتأثير الكبير الذي أحدثه فيليب فيشر على وارن بافيت؛ حيث قدر ترين أن بافيت متأثر بنسبة 85% بأستاذه ومعلمه بنجامين جراهام. بينما يتأثر بنسبة 15% بفيليب فيشر. ويُعد هذا التقدير بمثابة شهادة على الأهمية الكبيرة التي يحظى بها فيشر في عالم الاستثمار. وعلى تأثيره العميق على إستراتيجيات بافيت الاستثمارية.
قامة شامخة في عالم الاستثمار
في نهاية المطاف، يظل فيليب فيشر، الذي رحل عن عالمنا في 11 مارس 2004م، قامة شامخة في عالم الاستثمار. ومدرسة قائمة بذاتها في تحليل الأسهم. لقد ترك إرثًا لا يقدر بثمن من الحكمة والمعرفة، سيظل يلهم الأجيال القادمة من المستثمرين. كما أن بصماته لا تزال حاضرة في أساليب العديد من المستثمرين الناجحين، الذين يقتفون أثره في البحث عن الشركات الواعدة والاستثمار فيها على المدى الطويل.


