في عصر “مُتسارع” بالتقدم والتقنية والمعرفة، ويجني ثمرة اكتشاف وحدة الفيمتو ثانية- لفخر العرب الفائز بجائزة نوبل، الراحل الدكتور أحمد زويل- وهي جزء من مليون بليون من الثانية، ليُسدل الستار عن عصر كان يَطرب فيه جمهور كوكب الشرق لساعات، ويحلو له الهتاف بكلمة “أعِد”، لتستجيب له أم كلثوم وتُعيد الغناء المرة تلو الأخرى دون ملل من الطرفيْن. الآن، إذا زاد مقطع اليوتيوب عن ثلاث أو خمس دقائق، يشعر المشاهدون بالضجر.
خمسة مؤلفات، أعادتني لعصر “أعِد”؛ أولها نشأت فكرته من نماذج مكتوبة كنت أقرأها في منتصف التسعينيات على الحافلات المختلفة في طريقي لزيارة المصانع لتشخيص مشاكلها وتطوير أوضاعها.
نماذج مثل: “الحلوة مِش وِرث، دى جاية بطلوع الضِرس”، “طلبت من ربنا ادانى، وعين الناس مش سَيبانى”، “بنزين فى التانك.. ولا مليون فى البنك”. ولكثرة ما قرأته وشدة طرافة معظمه، فكرت في تجميع هذه المقولات وتحليلها حسب نوع الحافلة أو المحافظة أو المنطقة، وهكذا؛ ليستفيد منها المهتمون بعلم الاجتماع، والمتعمقون في دراسة الشخصية المصرية.
مرت الأعوام وشغلتني الحياة ونسيت موضوع هذا الكتاب، لأجده هو نفسه بأحد معارض الكتاب؛ حيث كان هناك شخص ما في مكان آخر من المحروسة فكر في نفس فكرتي على طريقة توارد الخواطر، وكأن ما فكرت به كان له “صلاحية” زمنية معينة لم استثمرها، ولن أستثمرها، بعد أن نفذها غيري.
مثال ثانٍ لحقيبة يعلوها الغبار، تتضمن أكثر من ثلاثمائة صفحة لكتاب من ستة أجزاء عن حاضنات الأعمال والتكنولوجيا في العالم، بدأت في كتابته في مطلع الألفية، ولن أستكمله ببساطة؛ لأن المشهد قد تغير بصورة كبيرة وصارت بالفعل البيانات التي جمعتها والمعلومات التي سردتها في هذه الأوراق منتهية “الصلاحية” وأراها غير ذات جدوى للنشر الآن.
مثال ثالث لكتاب ضخم يحمل عنوان “ريادة الثورة في الأعمال” تناولته من مكتبتي لأعيد قراءته، فوجدته يُمجد في إبداع أزرار الجوالات القديمة لنوكيا وألكاتل، إضافة إلى البريد الالكتروني هوتميل، وكوداك لكاميرات التصوير، وتُويز آر أص لألعاب الأطفال التي أعلنت إفلاسها وأغلقت جميع محلاتها بعد 70 سنة من إنشائها، وشركة الطاقة إنرون التي أفلست أيضًا، ومجموعة أخرى من الشركات ومواقع الإنترنت غير الموجودة حاليًا، فاكتشفت عدم جدوى قراءة 510 صفحة من القطع الكبير لمعلومات كانت رائعة في حينها، لكنها الآن صارت جزءًا من التاريخ، وكأن “تاريخ صلاحيتها” انتهى، حيث نُشر الكتاب في عام 2002.
وفي مايو 2002، أذكر أنني أعددت كتابًا بعنوان “دليل الاختراعات وفرص الاستثمار”، تضمن 173 اختراعًا وابتكارًا لشباب من كافة أرجاء المملكة العربية السعودية، مقرونة بصُوَر أصحابها ووسائل الاتصال بهم، لحمايتهم جزئيًا؛ حيث تحفظ هذه المطبوعة حقوقهم وملكيتهم الفكرية لستة أشهر فقط، لكن بعد مرور هذه الأعوام، لا أعتقد أن معظم هذه الابتكارات سارية “الصلاحية” وربما لم ينفذها صاحبها أو غيره مما اطلع عليها.
مثال خامس لكتاب يحمل ضمن عنوانه “عصر جديد” لعالم اقتصادي عربي كبير، أشار فيه لما أطلق عليه الثورة التكنولوجية وأمثلة ذكرها لتلك الثورة مثل مُبيد الـ دِ دِ تِ والبنسلين، واستخدام الآلة البخارية للقيام بأعمال الجر والحرث بالحقول، وكيف ساعدت السيارة والأجهزة الكهربائية في تحسين حياة البشر، في وقت إعداده لكتابه في العام 1968.
لكل شيء بالفعل عُمر وتاريخ صلاحية، فإذا كنت من رواد الأعمال أصحاب الأفكار أو الابتكارات والاختراعات، فلتُسرع في تنفيذها أو بيعها أو البحث عن شريك لك لتستثمرها، فإن سَرقتك الأعوام، فستكون هذه الأفكار منتهية “الصلاحية”.
اقرأ أيضًا:
تعافي الاقتصاد السعودي بعد كورونا


