تعتزم شركة “TSMC” إطلاق إنتاج رقائق 3 نانومتر المتقدمة في الأراضي اليابانية بحلول عام 2028، مدشنةً بذلك مرحلة حاسمة في سباق التكنولوجيا العالمي.
وتمثل هذه الخطوة العمود الفقري للثورة الرقمية الحديثة؛ حيث تسعى الشركة من خلالها إلى إعادة رسم خارطة مراكز القوة في صناعة أشباه الموصلات.
وعلى صعيدٍ متصل، كشفت إفصاحات حكومية تايوانية -نشرتها وكالة رويترز- عن بدء التجهيزات اللوجستية لتركيب المعدات المتطورة تمهيدًا للإنتاج الضخم داخل المصنع الثاني للشركة.
ويأتي هذا التحرك استجابةً مباشرة لتصاعد وتيرة الاستثمار العالمي والطلب المتزايد على المعالجات فائقة الكفاءة.
وتؤكد التقارير أن هذا التوسع يعكس طموح “TSMC” في تأمين سلاسل الإمداد الدولية بعيدًا عن المراكز التقليدية؛ ما يمنح الصناعة مرونة أكبر.
ومن هذا المنطلق، شدد الرئيس التنفيذي للشركة “سي سي وي” خلال اجتماعه بالقيادة اليابانية على المضي قدمًا في تعزيز الشراكة التقنية بين الجانبين عبر توسيع إنتاج هذه الرقائق الدقيقة.
ويجسد هذا الالتزام رغبة مشتركة في توطين الابتكار وبناء قاعدة صناعية صلبة تخدم الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى. وتظل هذه الخطوات الطموحة برهانًا جليًا على متانة الروابط الاقتصادية التي تجمع بين العملاق التايواني واليابان في سبيل قيادة مستقبل التكنولوجيا.
التحول نحو التقنيات المتقدمة
وفي ضوء الخطة المعدلة، من المقرر أن تبلغ الطاقة الإنتاجية الشهرية للمصنع الثاني نحو 15,000 رقاقة بقياس 12 بوصة، باستخدام تقنية رقائق 3 نانومتر المتطورة.
ومن ثم، فإن هذه الأرقام تعكس حجم الطموح الصناعي الذي تسعى إليه الشركة في السوق اليابانية. خاصة مع تزايد الحاجة إلى رقائق أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة.
علاوة على ذلك، فإن التحول نحو إنتاج رقائق 3 نانومتر يمثل قفزة نوعية مقارنة بالخطط السابقة التي كانت تركز على تقنيات أقل تقدمًا. إذ كانت الشركة قد أعلنت في عام 2024 أن استثماراتها في المصنعين الأول والثاني ستتجاوز 20 مليار دولار.
مع طاقة إنتاجية مشتركة تصل إلى 100,000 رقاقة شهريًا باستخدام تقنيات مثل 40 نانومتر و22/28 نانومتر و12/16 نانومتر و6/7 نانومتر.
من ناحية أخرى، فإن هذا التطور يعكس تحولًا إستراتيجيًا في أولويات التصنيع العالمي، بعدما عجزت الوسائل التقليدية عن ملاحقة احتياجات العصر الرقمي.
وتدفع هذه التحولات كبرى الكيانات التكنولوجية إلى تسريع الخطى نحو الابتكارات الأكثر دقة، ضمانًا لمكانتها في الأسواق التنافسية.
ويشكل هذا التوجه محورًا أساسيًا في صياغة مستقبل أشباه الموصلات، بما يخدم التطلعات الطموحة لشركاء النجاح في تايوان واليابان.

استثمارات ضخمة وشراكات إستراتيجية
وفي سياق متصل، أشارت تقارير صحفية يابانية إلى أن حجم الاستثمار في المصنع الثاني قد يصل إلى نحو 17 مليار دولار. إلا أن شركة TSMC لم تؤكد هذا الرقم رسميًا حتى الآن.
كما امتنعت عن التعليق عليه، وهو ما يفتح الباب أمام تكهنات بشأن الحجم الحقيقي للاستثمارات المرتبطة بمشروع رقائق 3 نانومتر.
وفي المقابل، شرعت الشركة بالفعل في تدشين الإنتاج التجاري واسع النطاق داخل مصنعها الأول باليابان أواخر عام 2024. مؤكدةً جدية توجهاتها التوسعية في المنطقة. ويمثل الانتقال اللاحق نحو إنتاج رقائق “3 نانومتر” امتدادًا طبيعيًا لإستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى ترسيخ الحضور التقني في القارة الآسيوية.
وتستند وحدة الشركة باليابان “JASM” إلى تحالف صناعي متين تأسس عام 2021 بدعم جوهري من شركة “سوني”. قبل أن تتعزز الشراكة بانضمام “دينسو” و”تويوتا” كمستثمرين بحصص أقلية.
ويعكس هذا التكتل الضخم قوة الروابط بين أقطاب الصناعة اليابانية والتقنية التايوانية لدعم استقرار هذا المشروع الإستراتيجي.
تداعيات عالمية على سوق أشباه الموصلات
وعلى صعيد التأثيرات العالمية، من المتوقع أن يسهم إنتاج رقائق 3 نانومتر في اليابان في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثرت على توزيع مراكز تصنيع الرقائق خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي، فإن هذا المشروع قد يمنح اليابان موقعًا أكثر تقدمًا في خريطة التكنولوجيا العالمية.
واتصالًا بما سلف، يعزز ولوج اليابان بقوة في هذا المجال المتطور من قدراتها الاستثمارية. ما يجذب رؤوس الأموال الأجنبية ويدعم القواعد الصناعية المحلية بفاعلية.
وتستفيد قطاعات حيوية مثل: صناعة السيارات والإلكترونيات بشكل مباشر من هذا التوطين التقني. نظرًا لاعتمادها المتزايد على الرقائق المتقدمة لرفع كفاءة منتجاتها.
وتأسيسًا على ذلك، يتبين أن مشروع إنتاج الرقائق الدقيقة ليس مجرد توسع عابر، بل هو تحول جوهري في موازين القوى التكنولوجية التي تحكم العالم المعاصر. وتتسابق الدول والشركات اليوم للسيطرة على بوابات المستقبل الرقمي عبر امتلاك أحدث تقنيات أشباه الموصلات وأكثرها دقة.


