بفضل الإنجاز العلمي الذي حققه الحسن بن الهيثم، في علم البصريات مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، وبفضل أفكار وإنجازات العديد من المفكرين والباحثين والعلماء، لا سيما بعد أن صاغ جون دالتون نظريته الذرية الحديثة عام 1803، وبعد ظهور مفهوم الهندسة الكمومية في الفيزياء نتيجة لتجارب العالم الألماني ماكس بلانك عام 1901، سار أندريه جيم، الهولندي من أصل روسي، وكونستانتين نوفوسيلوف، البريطاني من أصل روسي، على خطى العلماء والمستكشفين.
كما أجرى العالمان تجارب رائدة في اكتشاف الجرافين، وهو عبارة عن ألواح جديدة من الكربون بسماكة تعادل قطر ذرة واحدة، ونالا جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010. الجرافين هي مادة كربوية ثلاثية الأبعاد ذات خصائص فيزيائية وهندسية فريدة.
بينما اخترع العالم المصري أحمد زويل، المجهر فائق السرعة، المسمى “كيمياء الفيمتو”. الفيمتو ثانية تساوي 10 أس ناقص 15 من الثانية (10-15 ثانية)، والذي مكن العلماء من تصوير التفاعلات الكيميائية أثناء حدوثها على المستوى الذري، في زمن لا يتجاوز الفيمتو ثانية.
وقد مُنح البروفيسور أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، لاختراعه هذا المجهز الثوري، الذي كان له تطبيقات واسعة في الكيمياء والطب وتقنية النانو.
هذا بالإضافة إلى شرح مفهوم التشابك الكمي، الذي نال بفضله جون إف. كلاوزر (أمريكي)، وأنطون زيلينغر (نمساوي)، وآلان أسبكت (فرنسي) جائزة نوبل في الفيزياء عام 2022؛ لإنجازاتهم في مجال ميكانيكا الكم، أو كما وصفتها لجنة نوبل: لتجاربهم على الفوتونات المتشابكة كميًا. وقد أكدوا الفرق بين الواقعية المحلية لنظريتي ألبرت أينشتاين والرؤية الكمية.
تنص الواقعية المحلية على أن لكل شيء قابل للقياس قيمة محددة. حصل بيير أغوستيني (فرنسي)، ومشرفه البروفيسور فيرينك كراوس (مجري/نمساوي)، وآن لويلييه (فرنسية/سويدية) على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2023. وذلك لإسهاماتهم في توليد نبضات ضوئية تُقاس بالأتوثانية.
وفي العام نفسه، مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لاكتشاف وتصنيع النقاط الكمومية لكل من مونجي جي. باويندي، ولويس إي. بروس، وأليكسي يكيموف.
يُعد بحث البروفيسور أحمد زويل والبروفيسور فيرينك كراوس امتدادًا لأبحاثهما السابقة، إلا أن نتائج أبحاثهما الريادية كانت متميزة، إذ إستندت إلى تطورات تقنية مختلفة.
اعتمد عمل زويل على رصد حركة الجزيئات والذرات، والذي أجراه في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مستفيداً من التطورات في تقنية ليزر الفيمتو ثانية. بدأ التفكير في تطوير ليزر الأتوثانية عام 1993.
في ذلك الوقت، أحدث اكتشاف الهندسة الكمومية للجسيمات دون الذرية ثورة في الفيزياء، إذ وصفت نظرية الكم سلوك الجسيمات المجهرية، وهو ما يُعرف بميكانيكا الكم.
ومع تطور الكاميرات والمجاهر العلمية، ومفهوم ميكانيكا الكم معًا، أصبح لدينا ما يُعرف بالهندسة الكمومية. الهندسة الكمومية علمٌ يستخدم تطبيقات الحوسبة الكمومية والطوبولوجيا من حيث الإحداثيات والمسافات والزوايا والأشكال لفهم المزيد من الخصائص الطبيعية للمواد.
لذلك، يمكن القول إن تطور العلوم الطبيعية مهد الطريق أمام الفيزياء الهندسية الحديثة لتحقيق الهندسة الكمومية للجسيمات.
تبلورت فكرة تحويل ليزر الفيمتو ثانية إلى ليزر أتوثانية، أي تحويل الفوتونات التي تكون ليزر الفيمتو ثانية إلى فوتونات عالية الطاقة وأصغر حجمًا وأسرع بكثير – وهي عملية تُعرف بتوليد التوافقيات العالية (HHG)، التي طورتها الباحثة الفرنسية آن لويلييه. لذا؛ يمكن القول إن علم الأتوثانية اعتمد على تطوير تقنية الفيمتو ثانية. وهذا يعني أنه كلما زادت طاقة فوتونات الضوء، تسارع زمنها.
ومن خلال تضخيم تردد وطاقة فوتونات الفيمتو ثانية، نحصل على نبضات ليزر أقصر، تُسمى الأتوثانية، والتي يمكن استخدامها لرصد ودراسة حركة الإلكترونات. بفضل دمج هندسة الفيزياء الضوئية وتقنية الليزر وأنظمة التحليل الطيفي.
حيث تعمل الليزرات وفقًا لمبادئ فيزيائية مثل الانبعاث المحفز والإشعاع، ما يجعلها أداة فعالة في طيف واسع من التطبيقات. دمج هذه المعرفة مع تقنيات التحليل الطيفي، لنحصل على أنظمة قادرة على توفير معلومات دقيقة حول خصائص المواد من خلال تحليل الضوء المنبعث أو الممتص. تُسهم هذه الأنظمة في تحسين دقة أنظمة القياس وتفسير سلوك الخصائص الكيميائية والفيزيائية للمواد وفهمها.
في عام 2017، نجح العالم العربي البروفيسور محمد ثروت حسن (مصري الجنسية) وفريقه البحثي في تطوير جهاز ليزر يُنتج نبضات ضوئية فائقة السرعة، ما مكنهم من تتبع حركة الإلكترونات داخل المواد العازلة وتحويلها إلى مواد موصلة للكهرباء.
يمثل هذا الاكتشاف نقلة نوعية في مجال الإلكترونيات والاتصالات، إذ يتوقع أن يزيد سرعة تشغيل الأجهزة الإلكترونية كالحواسيب والهواتف المحمولة بمقدار 100 مليون ضعف.
في عام 2022، تمكن البروفيسور محمد حسن وزملاؤه من تطوير أسرع مجهر إلكتروني في العالم، قادر على رصد حركة الإلكترونات في جزء من مليار من مليار من الثانية، باستخدام تقنية الأتوثانية. الأوتوثانية تساوي 10 أس ناقص 18 من الثانية (10-18 ثانية). وباعتباره من أحد أصغر العلماء سنًا في العالم والعالم العربي وأحدثهم، سنقدم لمحة موجزة عن تاريخه العلمي باختصار.
وُلد في مارس 1983 في مدينة الفيوم المصرية (التي تبعد حوالي 80 كيلومتر جنوب غرب العاصمة القاهرة). حصل على بكالوريوس العلوم في الكيمياء من جامعة الفيوم عام 2003، وماجستير في فيزياء الضوء والبصريات من معهد فيزياء الليزر بجامعة القاهرة عام 2008.
كما أكمل دراسته في مختبر فيزياء الأتوثانية تحت إشراف البروفيسور فيرينك كراوس في ألمانيا، وحصل على درجة الدكتوراه من معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية في ميونيخ عام 2013. في عام 2016، أتيحت له فرصة فريدة للزمالة ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك) في الولايات المتحدة تحت إشراف اثنين من عمالقة الكيمياء والفيزياء في العالم والحائزين على جائزة نوبل وهما العالمان: أحمد زويل وفيرينك كراوس.
بعد جهد دؤوب ومثابرة، شق البروفيسور محمد حسن، طريقه بين كبار العلماء، خصوصًا بعد أن استلم العمل أستاذًا للفيزياء وعلوم الليزر في جامعة أريزونا عام 2017، وأسس مجموعته البحثية هناك.
وأصبحت أبحاثه الريادية من رواد فيزياء في الأتوثانية. ومن ثم، أصبحت الأتوثانية وحدة زمنية في النظام الدولي للوحدات ( SI Units).
تخيل امتلاك كاميرا فائقة الدقة قادرة على التقاط حركة الإلكترون أثناء دورانه حول النواة، أو انتقاله بين المدارات أو بين الذرات. سيُمكن هذا بلا شك العلماء من رؤية الإلكترون في الزمان والمكان الحقيقيين.
لذلك، تعتمد المجاهر الإلكترونية فائقة السرعة على إطلاق نبضات إلكترونية في نطاق الأتوثانية، ما ينتج سلسلة من الصور تُشبه لقطات فيلم سينمائي.
حيث لم يكن العلماء سابقًا قادرين على رصد التفاعلات والتغيرات التي تطرأ على الإلكترون ضمن هذه اللقطات في الزمان والمكان الحقيقيين. بفضل الله، تمكن البروفيسور محمد حسن وفريقه من إنتاج نبضة إلكترونية في نطاق الأتوثانية، بنفس سرعة حركة الإلكترونات، ما مكن المجاهر من العمل ككاميرا فائقة السرعة وعالية الدقة قادرة على التقاط حركة الإلكترونات.
وقد تم إثبات هذه القدرة من خلال تصوير حركة الإلكترونات بين ذرات الكربون في طبقات الجرافين المتعددة بسرعات غير مسبوقة.
المجاهر الفريدة.. قفزة ريادية جديدة في تطبيقات المستقبل
إضافةً إلى قدرة المجاهر الفريدة على التصوير ثلاثي الأبعاد، سيساعد العلماء على تصوير الإلكترونات في عينات من مواد متنوعة، لا سيما الهندسية والبيولوجية، في الوقت الحقيقي والمكان والزمان المحددين.
ويتفق الجميع على أن هذا الإنجاز العلمي ريادي وتميز يفتح آفاقًا واسعة للتطبيقات المختلفة، ليس فقط في فيزياء الكم الهندسية، بل أيضًا في الكيمياء والبيولوجي، ما يقرب العلماء من تحقيق حلم تحديد موقع وسرعة الإلكترون بدقة متناهية وفي الوقت الحقيقي.
ولذلك، يمكن القول إن البروفيسور محمد حسن وفريقه تمكنوا من توليد نبضات فوتونية فائقة السرعة واستخدامها لتشكيل موجات نبضات الليزر الناتجة عن تشتيت الضوء، وتعديل أجزاء من الطيف بشكل مناسب، ثم إعادة تجميع الضوء في شكل موجي أو بنية مُهندسة.
يعتمد هذا النهج على الدقة الطيفية وعرض النطاق الطيفي الكلي. وقد مكن هذا الفريق البحثي من التغلب على التحديات السابقة وإنشاء مجال كهربائي لليزر الأتوثانية يمتد من الأشعة تحت الحمراء إلى الأشعة فوق البنفسجية، مرورًا بالضوء المرئي.
أُجريت قياسات أيضًا لتفسير ديناميكيات الشبكة البلورية لمعدن كاجومي وموجات كثافة الشحنة في عام 2023. معدن كاجومي (ScV6Sn6) مادة معدنية صلبة ذات بنية بلورية محددة، تتكون بنيتها الداخلية من مثلثات وسداسيات متشابكة.
خصائصه المغناطيسية المعقدة وموصلاته الكهربائية العالية بشكلٍ استثنائي تجعله مرشحًا للدراسة في التطبيقات الإلكترونية، لا سيما مع وجود الفاناديوم والسكانديوم، اللذين يمتلكان خصائص مغناطيسية خاصة تعتمد على ترتيب الإلكترونات في البنية البلورية والتفاعلات بين الذرات.
حيث إن كلمة “كاجومي” تصف النمط الهندسي للمثلثات والسداسيات، هذا الاسم مشتق من نمط شبكي ياباني تقليدي يُعرف بنمط كاجومي أو شبكات كاجومي. استُخدمت تقنيات قياس متقدمة لتحليل ديناميكيات الشبكة البلورية للمساعدة على فهم كيفية تأثير البنية البلورية في الخصائص الكهربائية للمعدن.
ركزت القياسات على دراسة عدم استقرار موجات كثافة الشحنة في معدن كاجومي، ما يشير إلى وجود تفاعلات معقدة قد تؤثر في الخصائص الفيزيائية للمادة.
وأشارت النتائج أيضًا إلى وجود تنافس بين أنواع مختلفة من عدم الاستقرار، ما قد يؤثر في سلوك المادة وسط ظروف معينة.
وخلصت الدراسة إلى أن فهم ديناميكيات الشحنة في المواد ذات البنية الكاجومية أمر بالغ الأهمية، قد يفتح آفاقًا ريادية في مجال المواد الهندسية المتقدمة وتطبيقاتها.
لذا، يمكن القول إن المغناطيسية وترابط الإلكترونات في مغناطيسات الكاجومية تعملان معًا في تفاعل معقد.
وكشفت التأثيرات المغناطيسية عن تدفق الإلكترونات حول المثلثات البنائية للمادة، حيث تندمج الإلكترونات مع بعضها البعض في موجة جماعية، حاملة تيارًا كهربائيًا بشكل جماعي، على غرار الموصلية الفائقة.
وحسب كيفية ترتيب الذرات، يمكن حساب نوع بنية النطاق الانتقائية القوية المتوقعة في طبقة رقيقة من مغناطيس الكاجومية، ما يوفر مسارًا جيدًا للباحثين للتنبؤ بطوبولوجيا المواد في التصاميم الهندسية المستقبلية.
علاوة على ذلك، تمكن الباحثون مينجو كانج وريكاردو كومين وآخرون من اكتشاف الشكل الهندسي الحقيقي (Geometry) للإلكترون المتحرك في الكاجومية باستخدام مطيافية انبعاث الإلكترونات الضوئية ذات الزاوية المحددة باستخدام تقنية ARPES.
تقنية ARPES هي تقنية قياس متطورة للغاية تمكن الباحثين من تحليل زوايا ودوران الإلكترونات المنبعثة من مادة ما لقياس مصفوفة الشكل الهندسي الكمومي (Quantum Geometry)، ما يوفر فهمًا غير مسبوق لخصائصها الهندسية الكمومية.
وقد كشفت الدراسة عن قياسات دقيقة للمواد الصلبة، ما عزز فهم الخصائص الكمومية للمواد. تُعد هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تطوير الخصائص الكهربائية والبصرية للمواد الصلبة، وتفتح آفاقًا جديدة بمجال الفيزياء الكمومية وتطبيقاتها في التقنيات المستقبلية.
التشابك والحوسبة الكمومية
من جهة أخرى، وبعد عشر سنوات من البحث الريادي، أظهرت دراسة حديثة أجراها الباحث سيونج يونج لي وآخرون في معهد هولمهولتز للمواد والطاقة (HZB) في ألمانيا، وجود حالات كمومية معقدة، مثل السوائل المغزلية، في بلورات معقدة ذات تكوينات مختلفة من التفاعلات المغناطيسية، ما قد يغير فهمنا لكيفية عمل الحوسبة الكمومية. وكان من أهم هذه النتائج اكتشاف الارتباطات المغناطيسية في مادة “السائل المغزلي الحلزوني”.
يُعد السائل المغزلي الحلزوني مفهوم دقيق في فيزياء الموائع لوصف حالة المادة. فهو يحدث ببساطة، أي يدور أو يدور ذاتيًا، ولكن في عالم الكم، لا يعني ذلك أن الإلكترون يدور فعليًا.
أما في الحوسبة الكمومية، فيشير السائل المغزلي الحلزوني إلى نوع من الزخم الزاوي الفعلي، الذي يصف ببساطة سلوك الإلكترون من حيث الحركة والنظام. وعادةً ما توصف حالة دوران الإلكترون بأنها “أعلى” أو “أسفل” أو في حالة تراكب، أي في كلتا الحالتين في الوقت نفسه.
حيث أظهرت الدراسة كيف تتغير الارتباطات المغناطيسية على مرحلتين رئيسيتين عند درجات حرارة مختلفة أثناء تطور التفاعلات المغناطيسية.
كذلك تتميز المرحلة الأولى بترددات وارتباطات غير منتظمة، بينما تُظهر المرحلة الثانية استقرار أكبر في النمط الحلزوني المغناطيسي. قد يُسهم هذا التحليل في فهم كيفية تشكل أنماط الحركة المغناطيسية المعقدة في المواد السائلة الحلزونية.
كما أن هذا مهم لتطوير الحواسيب الكمومية المستقبلية، لأن السوائل المغزلية تُعد من اللبنات الأساسية المحتملة لحمل أصغر وحدات المعلومات الكمومية، المعروفة باسم البتات الكمومية (كيوبت).
لذلك، أعتقد أن هذه الأبحاث الريادية قد تُساعد على التشفير، والمحاكاة الكيميائية، وتحليل البيانات المعقدة وتخزينها.
بقلم أ.د/ صلاح حامد رمضان علي؛ أستاذ المترولوجيا وهندسة الدقة، المعهد القومي للقياس والمعايرة – وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية


