استقر سعر الدولار الأمريكي بشكل عام، اليوم الإثنين، متجهًا نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو، في ظل تصاعد مخاوف المستثمرين من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس بوضوح على حركة العملات العالمية؛ حيث تراجع الين الياباني إلى ما دون مستوى 160 الحرج؛ ما أعاد إلى الواجهة مخاوف التدخلات الاقتصادية المحتملة في أسواق الصرف.
ووفقًا لما نقلته “رويترز”، فقد شهدت الأسواق العالمية حالة من الاضطراب خلال الشهر الجاري بعد أن أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا. وهو ممر حيوي يمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بشكل حاد. كما دفع خام برنت إلى تسجيل أكبر ارتفاع شهري له، في وقت تصاعدت فيه المخاوف بشأن مسار أسعار الفائدة العالمية.
وامتدت الحرب، التي اندلعت إثر الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، إلى مناطق مختلفة من الشرق الأوسط. حيث تزايدت المخاوف من احتمال تنفيذ هجوم بري، خاصة بعد دخول الحوثيين الموالين لإيران باليمن على خط المواجهة السبت الماضي. وهو ما زاد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
تقلبات العملات العالمية
في هذا السياق، أعلنت باكستان أنها تستعد لعقد “محادثات جادة” خلال الأيام المقبلة بهدف إنهاء الصراع، رغم إعلان طهران استعدادها للرد في حال أقدمت الولايات المتحدة على تنفيذ عملية برية.
ومع ذلك، لم تتأثر آراء المستثمرين بشكل كبير بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أشار فيها إلى أن واشنطن أجرت محادثات “مباشرة وغير مباشرة” مع إيران. وأن قادتها الجدد كانوا “معقولين للغاية”.
وفي المقابل، تراجع الدولار الأمريكي قليلًا خلال ساعات التداول الآسيوية، إلا أنه حافظ إلى حد كبير على مكاسبه التي حققها مؤخرًا. في حين ارتفع اليورو بنسبة 0.1% ليصل إلى 1.15145 دولارًا، رغم أنه يتجه نحو تسجيل انخفاض بنسبة 2.5% خلال مارس، وهو أضعف أداء شهري له منذ يوليو.
كما بلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.3271 دولارًا دون تغيير يُذكر خلال اليوم، غير أنه يتجه بدوره نحو انخفاض شهري يبلغ 1.7%. بينما تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل ست عملات رئيسية، بنسبة 0.2% ليصل إلى 100.1.
أسعار النفط تقود اتجاه الدولار في الأسواق
من جانبه، قال كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة بيبرستون، إن اللافت في الأسواق هو سرعة تغير الاحتمالات المرتبطة بالصراع. موضحًا أنه قبل أسبوعين فقط كان إرسال قوات أمريكية برية إلى إيران يعد احتمالًا ضعيفًا للغاية. إلا أن التطورات الأخيرة غيرت تلك الحسابات بشكل ملحوظ.
وأضاف ويستون أن الأسواق باتت مضطرة إلى الاستعداد لمجموعة واسعة من السيناريوهات المحتملة. وهو ما دفع المستثمرين إلى تبني إستراتيجيات تعتمد على بيع الأسهم عند ارتفاع المخاطر. مع الحفاظ على أدوات التحوط ضد التقلبات المتزايدة في الأسواق العالمية.
وفي الوقت الراهن، يتركز اهتمام المستثمرين بشكل أساسي على تطورات أسعار النفط. حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 115.53 دولارًا للبرميل. مسجلة ارتفاعًا يقارب 59% خلال شهر مارس، وهو ما يمثل أقوى ارتفاع شهري على الإطلاق.
مخاوف الركود التضخمي
وفي هذا الإطار، قال براشان نيوناها؛ كبير إستراتيجيي أسعار الفائدة في شركة TD للأوراق المالية، إن اتجاه الدولار الأمريكي خلال الفترة المقبلة سيعكس بشكل مباشر مسار أسعار النفط العالمية. موضحًا أن العلاقة بينهما أصبحت أكثر وضوحًا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
كما أدت الزيادة الحادة في أسعار الطاقة إلى تجدد المخاوف بشأن التضخم، الأمر الذي دفع العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأمريكية إلى تسعير احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام. وهو تحول كبير مقارنة ببداية العام عندما كان المتداولون يتوقعون خفضين محتملين لأسعار الفائدة في عام 2026.
وفي الوقت ذاته، يولي المستثمرون اهتمامًا متزايدًا بالتداعيات الاقتصادية طويلة الأمد لحرب مطولة في الشرق الأوسط. إذ قال مارك تشاندلر؛ كبير استراتيجيي السوق في شركة بانوكبيرن كابيتال ماركتس، إن البنوك المركزية تجد نفسها حاليًا في موقف بالغ الصعوبة.
وأوضح تشاندلر أن الأسواق تواجه مفارقة اقتصادية واضحة؛ إذ تدفع أسعار الطاقة المرتفعة نحو تشديد السياسة النقدية. في حين تشير مؤشرات النمو الاقتصادي إلى ضرورة التحلي بالحذر. وهو ما يعكس ملامح بيئة اقتصادية قد تتجه نحو الركود التضخمي.
عودة الين الضعيف تثير مخاوف التدخل الياباني
وفي سياق متصل، عاد الين الياباني إلى دائرة الضوء بعد أن ارتفع إلى 159.70 ينًا للدولار. وذلك عقب تسجيله مستوى 160.47 ينًا في وقت سابق من الجلسة. وهو أضعف مستوى له منذ يوليو 2024، وهو الشهر الذي شهد آخر تدخل من طوكيو في أسواق العملات.
ويأتي هذا التراجع في وقت صعّدت فيه اليابان من تحذيراتها بشأن احتمال التدخل في سوق العملات. إذ أشارت إلى أن استمرار ضعف الين قد يدفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات نقدية حاسمة. بما في ذلك احتمال رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب.
كما انخفض الين بأكثر من 2% خلال شهر مارس، نتيجة المخاوف المتزايدة من ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على الاقتصاد الياباني المعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
العملات المرتبطة بالمخاطر تتعرض لضغوط
وعلى صعيد العملات المرتبطة بالمخاطر، عانى الدولار الأسترالي خلال شهر مارس. حيث طغت المخاوف بشأن تباطؤ النمو العالمي، المدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، على الدعم الذي وفرته توقعات رفع أسعار الفائدة محليًا.
وسجل الدولار الأسترالي أدنى مستوى له في شهرين عند 0.6843 دولار أمريكي. متجهًا نحو انخفاض شهري يقارب 3.5%، وهو أكبر تراجع له منذ ديسمبر 2024.
في المقابل، انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.3% ليصل إلى 0.57355 دولار أمريكي. مسجلًا تراجعًا شهريًا يبلغ 4.3% خلال مارس. في ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على الأسواق المالية العالمية.


