أدركت الشركات العالمية التي تؤسس مصانعها خارج حدودها، أنَّ أي كارثة طبيعة قد تسبب شللًا كاملًا لسلاسل الإمداد Supply Chain ؛ ما قد يؤدي إلى انهيارها؛ لذا أصبح مؤكدًا، مغادرة الشركات العالمية للصين بعد كارثة كورونا.
لم يكن أحد يتوقع أن سيناريوهات الأفلام الخيالية قد تحدث في الواقع؛ فالخبراء والحكومات ومراكز الأبحاث واستشعار الكوارث كان متوقعًا استعدادها مسبقًا لأي كارثة، خاصةً أن معظم الفيروسات القاتلة التي حدثت في الماضي، تم السيطرة عليها بسرعة، إلا أنَّ ما فعله فيروس كورونا كان عكس ذلك تمامًا,
لم تكن سيناريوهات الشلل المفاجئ الذي أحدثته جائحة كورونا على العالم متوقعة؛ بحيث يكون لدى الخبراء خطط إدارة للأزمة حال حدوثها؛ فكان عنصر الصدمة والمفاجأة هو محور الحدث؛ ما أحدث إرباكًا في الخطط، فكانت النتيجة غير واضحة؛ وبالتالي جرى التخطيط باستعجال لتعديل مسار نتائج الخطط السابقة التي كانت مستعجلة أيضًا؛ لتستمر العملية بين تخطيط وتعديل لاستدراك الأمر، وتلمُّس الحل المؤقت للخروج من الأزم، إلا أنَّه تأكد للاقتصاديين والسياسيين والأفراد أن كارثة كورونا ليست كغيرها من الكوارث؛ فلا حلول مؤقتة، أو مؤكدة قد تنفع.
إنَّ الزلزال الاقتصادي لكورونا أحدث مظاهر وأعراض حرب كونية، بدون إطلاق رصاصة واحدة، سواءً الخوف من المجهول، أو التأجيل، أو التوقف لأي مشروع فردي أو مؤسسي أو حكومي، بل الأخطر من ذلك أنَّ بعض المشاريع التي كانت في طور البدايات أو في منتصف الطريق اتسعت أمامها مساحة المجهول، فالتأجيل أو التوقف، كلاهما كارثي.
ولا يقتصر التأثير الإيجابي أو السلبي للكوارث العالمية على أحد دون الآخر، ولكن أقوى درجات التأثر هي اهتزاز الثقة لدى العالم بعد كارثة كورونا، باستثناء السعودية التي زادت بها ثقة العالم بعد جائحة كورونا؛ لقدرتها على المحافظة على استقرار أسواق النفط.
أما الصين فما حصل لها من اهتزاز الثقة بها عالميًا، أعطى دلالةً على سوء مستوى الصحة البيئية لديها، وتقصيرها بإطلاق تحذيرات للعالم منذ بداية الجائحة؛ ما أعطى مؤشرًا آخر بتدني مستوى الشفافية، أو بالأصح قمعها للشفافية؛ بقتل الطبيب، ومحاولة التستر على الجريمة؛ فكلها مؤشرات تؤكد اهتزاز الثقة العالمية تجاه الصين، سواءً من المستهلك النهائي، أو الشركات أو الحكومات.
ما أحدثته جائحة كورونا لا يقتصر على كونه وباءً يفتك بالبشرية، بل دقَّ أيضًا ناقوس الخطر بحتمية التوازن في توزيع الصناعة في الكرة الأرضية؛ لحماية العالم حال الكوارث كمبدأ مهم في توزيع المخاطر؛ فاستحواذ الصين على ٧٠٪ من الصناعة عالميًا، أثبت خطورته على الاقتصاد العالمي حال الأزمات.
لم يعد الأمر اختياريًا للشركات حال رغبتها في البقاء في الصين أو مغادرتها؛ فالتشريعات الحكومية سوف تساهم في ذلك كما حدث بعد أزمة الدين في ٢٠٠٨، حين تدخلت الحكومة الفيدرالية بسن تشريعات لحفظ الاقتصاد من تعديات القطاع الخاص، فضلًا عن قضية هواوي الشهيرة.
وما يؤكد ذلك، سعي الولايات المتحدة إلى جعل المكسيك هي المنطقة الصناعية للأمريكيتين، كما بدأت تلوح في الأفق اتخاذ آسيا (إندونيسا والهند و فيتنام) خيارًا بديلًا للصين؛ فمغادرة الشركات العالمية للصين، لم يكن بسبب كورونا فقط، بل لعوامل أخرى أيضًا؛ كفتح أسواق جديدة، مثلما حصل مع شركة سامسونج بمغادرتها الصين، واتجاهاها إلى الهند؛ ما يعني أن استحواذ الصين على نصيب الأسد من كعكة الصناعة العالمية، لن يدوم طويلًا.


