يحظى رائد الأعمال البريطاني، مصطفى سليمان، الحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية (CBE)، بمكانة محورية ضمن المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي. يتولى سليمان حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لوحدة الذكاء الاصطناعي للمستهلك لدى شركة مايكروسوفت؛ الأمر الذي يعكس ثقل مساهماته النوعية في هذا المجال التقني الحيوي.
بدوره، أسهم سليمان بشكلٍ مؤثر في تأسيس شركة ديب مايند الرائدة للذكاء الاصطناعي؛ حيث شغل سابقًا منصب رئيس قسم الذكاء الاصطناعي التطبيقي بها قبل استحواذ جوجل عليها. وإضافة إلى ذلك، شارك سليمان عام 2022 في تأسيس شركة إنفلكشن للذكاء الاصطناعي، المتخصصة في التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ما يؤكد ريادته المستمرة ودوره البارز في صياغة مستقبل هذا القطاع.
الحياة المبكرة والتعليم
وُلد مصطفى سليمان في الثامن عشر من أغسطس عام 1984، لعائلة ذات خلفية ثقافية متواضعة ومتنوعة. كان والده سوريًا يعمل في مهنة سائق أجرة، بينما كانت والدته إنجليزية وتعمل ممرضة. نشأ سليمان وشقيقاه الأصغر سنًا بشارع كاليدونيان بلندن. الأمر الذي شكّل جزءًا أساسيًا من هويته المبكرة.

ولاحقًا، بدأ سليمان مسيرته التعليمية في مدرسة ثورن هيل الابتدائية الحكومية بإزلنجتون. ثم أكمل تعليمه الثانوي بمدرسة الملكة إليزابيث المخصصة للبنين ببارنيت. وخلال هذه المرحلة تحديدًا، التقى سليمان بديميس هاسابيس، الذي سيصبح لاحقًا المؤسس المشارك لشركة DeepMind. وذلك عبر شقيق هاسابيس الأصغر الذي كان صديقه المقرب.
وفي سياق ذي صلة، شارك سليمان أنّه وهاسابيس تبادلا في تلك الفترة نقاشات مطولة حول إمكانية إحداث تأثير إيجابي وعميق على العالم عبر التكنولوجيا. وبالرغم من ذلك، وبعد التحاقه بجامعة أكسفورد كطالب جامعي بكلية مانسفيلد، اختار سليمان ترك الدراسة بعمر 19 عامًا. مقررًا الانخراط مباشرة في العمل المؤسساتي والمبادرات الاجتماعية.
المسيرة المهنية
في أغسطس 2001، وبينما كان لا يزال مراهقًا، ساعد سليمان محمد ممداني في إطلاق خدمة استشارات هاتفية عرفت باسم خط مساعدة الشباب المسلم. نمت هذه المنظمة لاحقًا لتصبح واحدة من أضخم خدمات دعم الصحة العقلية في المملكة المتحدة. الأمر الذي يؤكد اهتمامه المبكر بالمسؤولية الاجتماعية.
تلا ذلك عمل سليمان مسؤولًا عن سياسات حقوق الإنسان لدى كين ليفينغستون، عمدة لندن آنذاك. وعقب هذه التجربة الحكومية، أسس سليمان شركة ريوس بارتنرز، وهي شركة استشارية متخصصة في التغيير المنهجي. حيث استخدمت أساليب حل النزاعات لمعالجة المشكلات الاجتماعية المستعصية.
وبصفته مفاوضًا ووسيطًا، عمل مصطفى مع مجموعة واسعة من العملاء رفيعي المستوى. من ضمنهم الأمم المتحدة والحكومة الهولندية والصندوق العالمي للطبيعة. وبعد ذلك، وفي عام 2010 تحديدًا، شارك سليمان في تأسيس شركة ديب مايند الرائدة للذكاء الاصطناعي المتخصصة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وسرعان ما تولى منصب رئيس قسم المنتجات فيها.
شركة ديب مايند تُرسخ مكانتها
رسخت شركة ديب مايند مكانتها كإحدى الشركات العالمية الرائدة بقطاع الذكاء الاصطناعي. كما حظيت بدعم استثماري كبير من شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك وسكوت بانيستر وFounders Fund. ونتيجة لهذا النجاح، استحوذت شركة جوجل عام 2014 على شركة ديب مايند مقابل 400 مليون جنيه إسترليني. ليشكل ذلك أكبر عملية استحواذ للشركة في أوروبا حينها.
وعقب عملية الاستحواذ، أصبح سليمان رئيسًا لقسم الذكاء الاصطناعي التطبيقي بشركة ديب مايند. إذ تولى مسؤولية دمج تقنيات الشركة ضمن مجموعة واسعة من منتجات جوجل المتعددة. وفي فبراير 2016، أطلق سليمان شركة DeepMind Health، التي أنشأت تقنية بقيادة الأطباء لصالح هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) وشركاء آخرين. بهدف الارتقاء بخدمات الرعاية الصحية بالخطوط الأمامية.
وخلال عام 2016 أيضًا، قاد سليمان جهدًا حيويًا لتطبيق خوارزميات ديب مايند للتعلم الآلي للمساعدة في خفض الطاقة اللازمة لتبريد مراكز بيانات جوجل العملاقة. وأسفر النظام عن اكتشاف أساليب تبريد جديدة؛ ما أدى إلى تقليص كمية الطاقة المستخدمة في التبريد بنسبة تصل إلى 40%. وتحسين كفاءة الطاقة الإجمالية للمباني بنسبة 15%.
تحولات مهنية وأزمة إدارية
منذ يونيو 2019، خدم سليمان بمجلس إدارة مجموعة الإيكونوميست، التي تنشر الصحيفة الأسبوعية الشهيرة. ومع ذلك، منح سليمان إجازة إدارية أغسطس 2019 إثر مزاعم بتنمّره على الموظفين. ما أثار جدلًا واسعًا ودفع الشركة لتعيين محامٍ خارجي للتحقيق في هذه الادعاءات.
وبعد وقت قصير من انتهاء التحقيق، غادر سليمان DeepMind ليتولى منصب نائب الرئيس بالشركة الأم جوجل. وجاء في رسالة إلكترونية وزعتها إدارة DeepMind على الموظفين، إضافة إلى تفاصيل إضافية نشرها موقع بيزنس إنسايدر، أن “أسلوب إدارة سليمان لم يرق إلى مستوى التوقعات”. وبناءً عليه، أعلن سليمان في ديسمبر 2019 مغادرته DeepMind للانضمام إلى Google، للعمل بدور سياسي محدد.
إنفلكشن والعودة للريادة
وفي تحول آخر، غادر سليمان جوجل في يناير 2022، لينضم إلى شركة Greylock Partners كشريك مشروع. وعقب ذلك، شارك سليمان في مارس 2022 في تأسيس Inflection AI. وهو مختبر ذكاء اصطناعي جديد بالتعاون مع ريد هوفمان من Greylock. تأسست هذه الشركة بهدف الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لمساعدة البشر على “التحدث” مع أجهزة الكمبيوتر.
وبنجاح، جندت الشركة موظفين سابقين من عمالقة التقنية مثل Google و Meta. كما جمعت 225 مليون دولار في جولتها التمويلية الأولى. وفي إطار هذا التوسع، أطلقت Inflection AI عام 2023 روبوت دردشة يحمل اسم “Pi” للذكاء الشخصي.

مايكروسوفت والجوائز والأوسمة
في مارس 2024، عيّنت مايكروسوفت سليمان نائبًا تنفيذيًا للرئيس ومديرًا تنفيذيًا لوحدة الذكاء الاصطناعي للمستهلك المُنشأة حديثًا، Microsoft AI. ويمثل هذا التعيين عودة قوية لسليمان إلى واجهة القيادة التكنولوجية العملاقة. كما تم تعيين العديد من أعضاء فريق Inflection AI السابقين بالقسم الجديد، من ضمنهم المؤسس المشارك كارين سيمونيان.
وتقديرًا لمساهماته الهائلة في مجال التكنولوجيا، عيّن سليمان قائدًا للإمبراطورية البريطانية (CBE) ضمن حفل تكريمات رأس السنة الجديدة لعام 2019. وبالإضافة إلى ذلك، اختارته مجلة تايم كواحد من أكثر 100 شخصية تأثيرًا في مجال الذكاء الاصطناعي. وكان ذلك عام 2023 وعام 2024 على التوالي. ما يرسخ دوره كأحد أبرز العقول التي تشكّل مستقبل التقنية.


