تعد الإيجابية سلوكًا نفسيًا وصحيًا يشجع على التكيف مع ضغوط الحياة ومواجهة التحديات بروح متفائلة. غير أنّ ما يعرف اليوم بـ«الإيجابية الزائفة» أو Glossing قد أصبح ظاهرة مثيرة للجدل في المجتمع الحديث.
كما أن هذه الظاهرة تقوم على فرض التفاؤل المفرط والابتسامة الدائمة حتى في المواقف التي تستدعي الحزن أو الغضب أو القلق، ما يحوّل الإيجابية من أداة للراحة إلى عبء نفسي يفاقم المشكلات بدل حلّها.
مفهوم الإيجابية الزائفة
الإيجابية الزائفة تعني رفض الاعتراف بالمشاعر السلبية وتجاهلها، مع السعي لإظهار صورة مثالية عن الذات أمام الآخرين. كذلك ووفقًا لدراسة نشرت في مجلة Journal of Personality and Social Psychology، فإن محاولات قمع المشاعر السلبية تؤدي إلى نتائج عكسية. حيث تعود هذه المشاعر بشكل أشد حدّة، وتنعكس على الصحة النفسية والجسدية.
كما أن هذا النوع من التفكير يشجَّع أحيانًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. حيث تنتشر شعارات مثل «كن إيجابيًا دائمًا» أو «لا مكان للحزن في حياتك». ومع الوقت، يصبح الأفراد أسرى لهذه الصورة المثالية التي لا تعكس حقيقة مشاعرهم الداخلية.
التأثيرات النفسية والاجتماعية
تشير دراسات في علم النفس الإكلينيكي إلى أن تجاهل المشاعر السلبية يضعف القدرة على معالجة الأزمات، ويؤدي إلى القلق المزمن أو الاكتئاب.
كما تؤكد الباحثة سوزان ديفيد من جامعة هارفارد في كتابها «المرونة العاطفية» أن مواجهة المشاعر بكل أشكالها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، أمر ضروري لبناء شخصية متوازنة وصحية.
كذلك على المستوى الاجتماعي، قد تدفع الإيجابية الزائفة الأفراد إلى الانعزال، إذ يشعر الشخص بأن معاناته غير مرحب بها أو غير مقبولة.
كما تساهم في خلق ثقافة سطحية تخفي الألم وتظهر قناعًا من التفاؤل المستمر. وهذا ما أشار إليه تقرير نشره مركز الجمعية الأميركية لعلم النفس (APA)، الذي حذّر من أن تجاهل الحزن أو القلق يقلل من فرص الدعم النفسي والاجتماعي الحقيقي.
جذور انتشار الظاهرة
هناك عدة عوامل ساهمت في انتشار الإيجابية الزائفة، من أبرزها:
الثقافة الشعبية والإعلام: الأفلام، الكتب، وخطابات التنمية الذاتية التي تدعو إلى التفكير الإيجابي بشكل مطلق.
وسائل التواصل الاجتماعي: حيث تعرض حياة مثالية مليئة بالابتسامات والنجاحات، ما يضغط على الأفراد لتقليد هذا النمط.
الخوف من الوصم: في كثير من الثقافات، ينظر إلى التعبير عن المشاعر السلبية باعتباره ضعفًا أو فشلًا.
نحو إيجابية متوازنة
كذلك من المهم التفريق بين الإيجابية الحقيقية والإيجابية الزائفة. فالأولى تعني الاعتراف بالمشاعر السلبية والتعامل معها بوعي، ثم البحث عن جوانب مضيئة تساعد على التكيف. بينما الثانية تلغي هذه المشاعر وتفرض قناعًا من السعادة.
ينصح خبراء علم النفس بعدة خطوات لتجنب الوقوع في فخ الإيجابية الزائفة:
- تقبّل المشاعر كما هي دون إصدار أحكام.
- طلب الدعم من الأصدقاء أو الأخصائيين النفسيين عند الحاجة.
- استخدام عبارات أكثر واقعية مثل «الوضع صعب الآن، لكن يمكن تجاوزه» بدلًا من «كل شيء على ما يرام».
في نهاية المطاف، ظاهرة الإيجابية الزائفة تكشف عن جانب مظلم من ثقافة التفاؤل المفرط. فالمشاعر الإنسانية بطبيعتها متنوّعة، ولا يمكن حصرها في خانة السعادة الدائمة.
كما أن الاعتراف بالحزن والخوف والقلق ليس ضعفًا، بل هو خطوة أساسية لبناء صحة نفسية متينة وعلاقات إنسانية أصيلة.
كذلك فإن العودة إلى خطاب أكثر واقعية ومرونة. مدعومًا بالبحوث النفسية مثل تلك التي أصدرتها جامعة هارفارد والجمعية الأمريكية لعلم النفس. يتيح لنا فهمًا أعمق لهذه الظاهرة. وكيفية تجاوزها لصالح توازن عاطفي أكثر صحة.


