تتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في مختلف أنحاء العالم. نظرًا للازدهار الملحوظ الذي تعيشه مجتمعات الدول المتقدمة بسبب انتعاش سوق الأسهم وحركة التجارة العالمية. ومن هنا يأخذنا الحديث عن مستوى تأثير البيروقراطية في المجتمعات.
ففي الولايات المتحدة ارتفع صافي ثروات الأسر الأمريكية بواقع 134 تريليون دولار بين عامي 1989 و2024. في حين انتقلت 68% من المكاسب إلى الشريحة الأعلى.
أيضًا حصل 40% من السكان على 30% فقط من المكاسب. بينما لم يحصد النصف الأدنى من السكان سوى 2% من هذه الثروة.
وعلى الرغم من تعرض المجتمعات العالمية للطبقية على أساس حجم الثروات، إلا أن عدم المساواة في الولايات المتحدة هو الأكثر شهرة عالميًا.
اتساع الفجوة في الدخل
أفادت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن الفجوة في مستوى الدخل بلغت أعلى مستوياتها خلال 50 عامًا. وخلال الفترة ما بين 1979 و2019 زادت دخول بعض الموظفين 10% مقارنة بدخول موظفين في قطاعات أخرى.
وعلى الرغم من تأثير جائحة كورونا في زيادة معدل رواتب الفئات الأقل عبر دعم حكومي ونقص العمالة، إلا أن هذه المكاسب مؤقتة.
قفزة في رواتب الرؤساء التنفيذيين
كان متوسط راتب الرئيس التنفيذي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أقل بواقع 30 ضعفًا من راتب الموظف العادي. لكن منذ عام 1998 تجاوزت النسبة 300:1. ما يزيد من فرصة تمكين البيروقراطية في المجتمعات.
وأرجعت الدراسات هذا التضخم إلى زيادة أرباح الشركات وأسعار الأسهم. بينما أكدت دراسات أخرى أن النمو الحقيقي للأرباح قبل الفوائد والضرائب بين 1989 و2019 كان أقل مما كان عليه في الفترة بين 1962 و1989. ما يعني أن الشركات كانت تقدم مكافآت ضخمة مقابل ظروف اقتصادية مناسبة أكثر من مقابل إنجازات حقيقية.
انخفاض الاجور
في عام 2000 نمت أرباح الشركات الأمريكية لتتجاوز 300% بالقيمة الثابتة. في حين لم ترتفع الأجور سوى بنسبة 45%.
كما في عام 2021 اندرج 7% فقط من العمال الأمريكيين ضمن خطط ملكية الموظفين للأسهم. ما يشير إلى أن أسباب هذا الركود ناتجة عن العولمة، والهجرة واسعة النطاق. بجانب تراجع مستوى أداء النقابات العمالية والتوسع في اعتماد الأتمتة. بالإضافة إلى تزايد معدل نمو اقتصاد العمل المرن.
العلاقة بين الأجور والإنتاجية
خلال الفترة بين 1948 و1979 اتسمت العلاقة بين نمو الإنتاجية والأجور بالتوازن. حيث زادت الإنتاجية بنسبة 111.7% مقابل 91.7% للأجور.
بينما قفزت الإنتاجية بنسبة 80.9% منذ 1980 وحتى 2023. في حين لم تتجاوز زيادة الأجور 29.4%.
مستوى الثقة في الأنظمة رأس المالية
بحسب الدراسات تعمل الرأسمالية لصالح بعض الفئات أكثر من غيرها بفاعلية.
ووفقًا لدراسات أجراها مركز “بيو للأبحاث” عام 2022 يتمتع 44% من الشباب الأمريكيين (18-29 عامًا) بنظرة إيجابية نحو الاشتراكية، مقابل 40% فقط نحو الرأسمالية. في حين أعرب ثلثا الشباب (16-34 عامًا) عن رغبتهم في العيش ضمن نظام اشتراكي في 2021 داخل المملكة المتحدة.
كذلك يؤكد الواقع أن ملايين حول العالم فقدوا الثقة في وعد الحراك الاجتماعي وصعود الطبقة الوسطى. وذلك على الرغم من أن الأدلة على نجاح الاشتراكية في تحقيق نتائج اقتصادية أفضل.
انخفاض الفرص في عصور البيروقراطية
بالتالي تراجعت فرص الأجيال الجديدة في الوصول إلى الطبقة الوسطى منذ الحرب العالمية الثانية. حيث كانت فرص الأمريكيين المولودين عام 1940 في التفوق على دخل والديهم أفضل من 9 إلى 1.
أما مواليد 1980 فأصبحت فرصهم أقل من 50%، واستمرت في التدهور منذ ذلك الحين.
حلول للقضاء على البيروقراطية
جدير بالذكر أن هناك زيادة متواصلة في استقطاب الدخل. ما يسبب تراجع التماسك الاجتماعي وانخفاض معدل الانسجام السياسي. وطُرحت العديد من المقترحات لمواجهة هذه الأزمة، من بينها:
-
– تطبيق الضرائب على الأثرياء جدًا بنسبة أكبر.
-
– التأكد من إلزام الشركات بتمثيل العمال في مجالس الإدارة.
-
– تبني المفاوضات الجماعية على مستوى القطاعات.
-
– تطوير مزايا اقتصاد العمل المرن.
وعلى الرغم من أن هذه المقترحات تتضمن نوعًا من الوجاهة، إلا أن الواقع أثبت أن أفضل وسيلة لزيادة الأجور تكمن في حصول كل إنسان عامل على فرصة حقيقية لتطوير مهاراته، وتعزيز مساهماته، ومن ثم زيادة دخله.
في النهاية هناك عدد شبه لا نهائي من المشكلات التي تحتاج إلى حلول.
على سبيل المثال: عدد المشكلات التي يجب معالجتها لرفع مستوى الأداء الأكاديمي في نظام مدرسي حضري كبير، مثل بالتيمور، ماريلاند. حيث لم يتعدى عدد طلاب المرحلة الابتدائية الذين يؤدون بمستوى جيد في الصف الدراسي بمادة الرياضيات عام 2022 نسبة 7%.
وفي المجتمعات التي تعاني من فجوة اجتماعية تنتشر أفكار مغلوطة حول وجود “المفكرين” في القمة و”المنفذين” في القاع. إذ يعوق هذا الفكر قدرة الموظفين في الصفوف الأمامية على تقديم قيمة إضافية حقيقية.
ولكن لا تعد البيروقراطية أمرًا واقعًا أو من الثوابت . بل هي نظام اجتماعي نتج عن ممارسات البشر في مختلف قطاعات الحياة وحان الوقت لإعادة تعريفها.
المقال الأصلي: من هنـا


