ضرب خلل تقني مفاجئ، اليوم الجمعة، شركة “مايكروسوفت” ليُعطل أنظمة حيوية في جميع أنحاء العالم، تاركًا وراءه تداعيات كارثية على قطاعات حيوية مثل: الطيران والمصارف وشركات النفط والغاز.
وبينما لا تزال أسباب الخلل التقني غامضة بادرت “مايكروسوفت” بتأكيد سعيها الحثيث لاحتواء الأزمة وإصلاح الأعطال، إلا أن ذلك لم يمنع من تفاقم الأضرار بشكل سريع.
وتشير التقديرات الأولية لشبكة “بلومبيرج” إلى أن الخسائر الناجمة عن هذا العطل قد تصل إلى 250 مليار دولار أمريكي؛ ما يجعله أحد أكبر الأحداث الاقتصادية تدميرًا في التاريخ الحديث.
شلل حركة الطيران
واجه قطاع الطيران أحد أسوأ كوابيسه مع توقف أنظمة تسجيل الوصول وحجز التذاكر في العديد من المطارات حول العالم، وأعلنت مطارات في إسبانيا وألمانيا وبريطانيا عن تأخير وإلغاء رحلات جوية، بينما أوقفت الخطوط الجوية التركية مؤقتًا عمليات الحجز وتسجيل الدخول.
كما طالت أزمة “مايكروسوفت” شركة “فرونتير” الأمريكية للطيران؛ ما أدى إلى إلغاء 131 رحلة وتأخير 223 أخرى؛ أي ما يعادل 30% من إجمالي رحلاتها.
وتأثرت أنظمة بيع تذاكر القطارات في بلجيكا أيضًا، وذلك سبب فوضى عارمة بين المسافرين.
المصارف وشركات النفط والغاز
امتدت تداعيات انقطاع الإنترنت العالمي لتشمل قطاعات حيوية تتجاوز مجال الطيران، لتطال المؤسسات المالية وشركات الطاقة ووسائل الإعلام وغيرها.
وواجهت المؤسسات المالية، مثل: البنوك الأسترالية، خللًا تقنيًا مفاجئًا أدى إلى توقف العمليات المصرفية عبر الإنترنت؛ ما أثار قلق المستثمرين وعرقل سير المعاملات المالية.
كما أثرت أزمة انقطاع الإنترنت في قطاع الطاقة؛ حيث أبلغت مصادر في قطاع النفط والغاز عن صعوبات في تنفيذ عمليات التداول في لندن وسنغافورة، وهو ما أثر سلبًا في أسعار الطاقة العالمية.
ولم تقتصر الأضرار على الشركات فقط، بل طالت أيضًا وسائل الإعلام؛ حيث اضطرت قناة سكاي نيوز البريطانية إلى وقف بثها المباشر مؤقتًا. كما تأثرت أنظمة الحجوزات الطبية التي يستخدمها الأطباء في جميع أنحاء العالم؛ ما تسبب في إرباك عمليات التشخيص والعلاج.
وتعمل “مايكروسوفت” وفرق تقنية متخصصة على مدار الساعة لحل المشكلة. ونتيجة لجهودهم بدأ بعض الخدمات بالعودة إلى العمل تدريجيًا، بينما لا تزال جهود الإصلاح جارية على قدم وساق في محاولة للحد من الأضرار والخسائر الفادحة التي خلّفها هذا العطل العالمي.

خلل تقني مفاجئ بسبب تحديث خاطئ
يرجح خبراء أن العطل نجم عن تحديث خاطئ أصدرته شركة “CrowdStrike” المتخصصة في الأمن السيبراني، أثر في منتجها “Falcon Sensor”. وتسبب ذلك في تعطل أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بنظام التشغيل “ويندوز” لدى العديد من الشركات، وبالتالي حدث شلل شبه كامل لعملياتها.
ومن بين المتضررين من هذا العطل شبكة “سكاي نيوز” الإخبارية العالمية، التي لم تتمكن من بث برامجها لفترة من الوقت. كما واجهت شركات الطيران صعوبات في إقلاع وتسير رحلاتها، بينما تأخرت رحلات القطارات في بريطانيا.
ووردت تقارير تفيد بأن العطل طال أيضًا أجهزة المسح الضوئي للصعود بمطار “إدنبره” في اسكتلندا. وفي الوقت الحالي تبذل “مايكروسوفت” و”CrowdStrike” جهودًا لمعالجة المشكلة وإعادة الأنظمة المتضررة إلى العمل.
وتعد هذه ثالث مرة خلال العام الجاري يتسبب فيها تحديث من “CrowdStrike” في عطل تقني واسع النطاق؛ ما يثير قلق خبراء الأمن السيبراني حول موثوقية أدوات الشركة.
العطل ليس هجومًا إلكترونيًا
نفى جورج كورتز؛ الرئيس التنفيذي لشركة Crowdstrike للأمن السيبراني، أن يكون الخلل التقني الذي ضرب أنحاء العالم في 19 يوليو 2024 هجومًا إلكترونيًا.
وأوضح “كورتز”، عبر منصة “إكس”، أن المشكلة ناتجة عن خلل في تحديث محتوى واحد لمضيفي Windows، وأن أنظمة Mac وLinux لم تتأثر.
وأكد أن الشركة حددت المشكلة وعزلتها ونشرت إصلاحًا لها، كما أنها تعمل بنشاط مع العملاء المتضررين لمساعدتهم في حل المشكلة.
وتشير تصريحات كورتز إلى أن العطل التقني كان نتيجة خطأ تقني وليس عملًا متعمدًا؛ ما يقلل من مخاوف حدوث هجوم إلكتروني واسع النطاق.
مايكروسوفت تعلن عن إصلاح السبب الأساسي للعطل
أعلنت شركة مايكروسوفت عن إصلاح “السبب الأساسي” لانقطاع تكنولوجيا المعلومات الشامل الذي أثر في تطبيقاتها. ومع ذلك أوضحت أن بعض الخدمات قد لا يزال يعاني من “تأثيرات متبقية” ناتجة عن العطل.
وفي نفس السياق أكدت شركة Crowdstrike، المزودة لبرامج الأمان السيبراني، حلّ المشكلة التي تسببت في العطل العالمي. وأضافت أنها تعمل حاليًا على استعادة الأنظمة المتأثرة بالكامل.
وكانت Crowdstrike ذكرت في وقت سابق أن العطل ناتج عن “تحديث من منصة برمجيات تابعة لجهة خارجية”. وتم لاحقًا تأكيد أن هذه المنصة هي منصة Crowdstrike نفسها.
ماذا تعرف عن شركة “CrowdStrike”؟
انطلقت شركة “CrowdStrike” عام 2011 في ولاية تكساس الأمريكية، على يد جورج كرتز؛ خبير الأمن الإلكتروني المخضرم، الذي سعى لابتكار أسلوب جديد لمواجهة التهديدات الإلكترونية المتطورة.
ويؤمن كرتز بأن التركيز على تحليل أكواد الفيروسات أصبح غير كافٍ، وبالتالي ركزت “CrowdStrike” على تحليل أساليب القراصنة وفهم سلوكياتهم؛ ما مكنها من تطوير حلول أمنية استباقية وفعّالة.
“فالكون” درع متكاملة للأمن الإلكتروني
في مطلع الربع الثاني من عام 2013 أطلقت “CrowdStrike” منصة “فالكون” التي تعد ثورة في عالم الأمن الإلكتروني.
تقدم المنصة خدمة متكاملة لحماية الأجهزة والشبكات من مختلف أنواع التهديدات، بدءًا من البرمجيات الضارة إلى الهجمات المتطورة.
ومع مرور الوقت تطورت خدمات “فالكون” لتشمل اختبار قدرة الشركات على مقاومة الاختراقات، والاستجابة الفورية لحوادث الاختراق، وتقديم خدمات التأمين المعلوماتي، وهذا جعلها شريكًا موثوقًا به للعديد من المؤسسات العالمية.
الكشف عن الاختراقات الكبرى
لعبت “CrowdStrike” دورًا محوريًا في الكشف عن بعض أكبر الاختراقات الإلكترونية في التاريخ، مثل: هجوم كوريا الشمالية على شركة “سوني” عام 2014. وأثبتت الشركة نجاحها من خلال كفاءة حلولها وسمعتها المرموقة؛ ما جذب استثمارات ضخمة من “جوجل” وصناديق رأس المال المغامر، ورفع قيمة الشركة إلى 3 مليارات دولار عام 2019.
وفي عام 2019 طرحت “CrowdStrike” أسهمها في بورصة نيويورك، وجمعت من الطرح الأولي 612 مليون دولار، وذلك يعد مؤشرًا واضحًا على ثقة المستثمرين بقدراتها وإمكانياتها الهائلة.


