يُشكّل التفاخر بالانشغال ظاهرة اجتماعية تزداد شيوعًا في بيئات العمل الحديثة؛ حيث يسعى البعض إلى إبراز مدى انشغالهم بكم هائل من المهام والأعمال، معتقدين أن ذلك يعكس كفاءتهم وإنتاجيتهم العالية.
تخيل أن تجد نفسك تعمل مع شخص يقضي معظم وقته في الحديث عن مدى انشغاله، وتكديس المهام على مكتبه، وتقديم شكاوى مستمرة من ضغط العمل. هذا هو جوهر ظاهرة التفاخر بالانشغال، والتي تتجاوز كونها مجرد سلوك شخصي إلى تأثيرها السلبي على العلاقات بين الزملاء وعلى أداء الفريق ككل.
التفاخر بالانشغال
أضافت دراسة حديثة نشرت في مجلة علم النفس الوظيفي بُعدًا جديدًا لفهم هذه الظاهرة؛ حيث أظهرت أن الموظفين الذين يتفاخرون بانشغالهم المستمر غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم أقل كفاءة وأقل جاذبية من زملائهم. وفي حين أن البعض قد يعتقد أن هذا السلوك يدل على الالتزام والتفاني في العمل، إلا أن الدراسة تشير إلى أن الإفراط في الحديث عن الانشغال قد يخفي في الواقع نقصًا في تنظيم الوقت وإدارة المهام.
من ناحية أخرى، يتناقض التفاخر بالانشغال بشكلٍ صارخ مع مفهوم “الاستقالة الهادئة”؛ حيث يسعى الموظف إلى تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية، والقيام بالحد الأدنى من المهام المطلوبة منه. بينما يركز المتفاخرون بانشغالهم على إظهار أنهم يعملون بجد، حتى لو كان ذلك على حساب جودة العمل أو رضاهم الوظيفي.
كذلك، يمكن وصف هؤلاء الأفراد بـ”العاملين الصاخبين”، الذين يسعون إلى جذب الانتباه إلى أنفسهم من خلال إظهار مدى انشغالهم. ولكن هذا السلوك قد يسبب إزعاجًا لزملائهم، ويشجع على بيئة عمل تنافسية وغير صحية.

سلوك يعود بنتائج عكسية على الموظفين
وجد الجزء الأول من الدراسة أن الموظفين الذين يتباهون بالضغط يُنظر إليهم على أنهم أقل كفاءة من قبل زملائهم في العمل. علاوة على ذلك، فإن هذا السلوك يقلل من جاذبية هؤلاء الموظفين في نظر الآخرين. ما يؤثر سلبًا على فرصهم في التقدم الوظيفي وبناء علاقات مهنية قوية. وفي حين أن هؤلاء الأفراد قد يعتقدون أنهم يبنون صورة إيجابية عن أنفسهم، فإن الواقع هو أنهم يخلقون انطباعًا سلبيًا عن قدراتهم على إدارة العمل والتعامل مع الضغوط.
من ناحية أخرى، كشف الجزء الثاني من الدراسة أن الموظفين الذين يتباهون بالضغط يعانون من مستويات أعلى من الإرهاق النفسي والجسدي. فبسبب زيادة تأثيرات انتقال الإجهاد، فإن هؤلاء الأفراد يميلون إلى نقل توترهم إلى زملائهم. وهو ما يخلق بيئة عمل سلبية وغير صحية. كذلك، فإن التركيز المستمر على الضغوط والمشكلات يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية والعقلية للموظف. وهو ما يؤثر سلبًا على أدائه في العمل.
ولتحديد آثار “التفاخر بالانشغال” بشكلٍ أكثر دقة، قام الباحثون بتجربة فريدة من نوعها؛ حيث طُلب من مجموعة من المشاركين تحليل سيناريوهات لزملاء عمل وهميين عادوا من مؤتمر. بينما وصف بعض الزملاء تجربتهم بالممتعة والمثمرة، تحدث آخرون عن مدى الضغط والإرهاق الذي شعروا به خلال المؤتمر. وأظهرت نتائج هذه التجربة أن المشاركين لديهم انطباع سلبي تجاه الزملاء الذين تحدثوا عن الضغط والإرهاق، واعتبروهم أقل كفاءة وأقل جاذبية.
كشف زيف “التفاخر بالانشغال” في بيئة العمل
ثمة عوامل تدل على أن الموظف يعاني من “متلازمة التفاخر بالانشغال”، وهي ظاهرة اجتماعية تتزايد بشكلٍ ملحوظ في بيئات العمل الحديثة؛ حيث يحرص البعض على إبراز مدى انشغالهم بكم هائل من المهام والأعمال. معتقدين أن ذلك يعكس كفاءتهم وإنتاجيتهم العالية.
1. الحديث المستمر عن الانشغال:
أحد أبرز مؤشرات التفاخر بالانشغال هو الحديث المستمر والمبالغ فيه عن كمية العمل الموكلة إلى الموظف. فبدلًا من التركيز على إنجاز المهام، يجد هؤلاء الأفراد متعة في سرد تفاصيل مهامهم وتحدياتهم، وكأنهم يسعون لجذب الانتباه إلى أنفسهم. علاوة على ذلك، قد يبالغون في وصف حجم العمل الذي يقومون به. ما يخلق انطباعًا مبالغًا فيه عن قدراتهم.
2. الفجوة بين الكلام والعمل:
على الرغم من الحديث المستمر عن الانشغال، فإن الموظفين الذين يعانون من هذه المتلازمة غالبًا ما يواجهون صعوبة في إنجاز المهام الموكلة إليهم في الوقت المحدد وبجودة عالية. فبدلًا من التركيز على تنفيذ المهام الأساسية، يهدرون الكثير من الوقت في الحديث عن العمل والتخطيط له. ما يؤثر سلبًا على إنتاجيتهم.
3. الترويج للنجاحات الصغيرة:
عادة ما يحرص هؤلاء الموظفين على الترويج لأي إنجاز يحققونه -مهما كان صغيرًا- وكأنهم يسعون في الأساس من أجل الحصول على الثناء والتقدير من الآخرين. فبدلًا من التركيز على الجودة الشاملة للعمل، يركزون بشكلٍ كبيرٍ على إبراز الجوانب الإيجابية الصغيرة. وهو ما يخلق انطباعًا بأنهم يعملون بجد واجتهاد.
4. السعي الدائم للتقدير:
يعد السعي الدائم للحصول على التقدير والاعتراف من الزملاء والمديرين سمة مميزة للموظفين الذين يعانون من متلازمة التفاخر بالانشغال. فبدلًا من الشعور بالرضا عن إنجاز المزيد من المهام الموكلة في العمل، يسعون باستمرار إلى الحصول على الثناء والإشادة. ما يخلق بيئة عمل تنافسية وغير صحية.
5. التركيز على الكلام أكثر من العمل:
في الأساس، يركز هؤلاء الموظفون بشكلٍ أكبر على الحديث عما يتعين عليهم القيام به، بدلًا من التركيز على تنفيذ المهام الفعلية. فبدلًا من العمل بصمت وفعالية، يفضلون الحديث عن خططهم وأهدافهم. وهو ما يشتت انتباههم ويقلل من إنتاجيتهم.
كيفية التعامل مع هذا السلوك؟
للتعامل مع مشكلة التفاخر بالانشغال، يجب على المديرين والمشرفين التركيز على النتائج الفعلية بدلًا من الكلمات. كما ينبغي عليهم تشجيع التعاون والعمل الجماعي بين الموظفين، وتوفير بيئة عمل إيجابية تساهم في زيادة الإنتاجية.
من ناحية أخرى، ينبغي على الموظفين أن يكونوا صادقين بشأن كمية العمل التي يقومون بها. وأن يركزوا على جودة العمل بدلًا من الكمية. كما من الضروري عليهم تجنب المقارنة بأنفسهم بزملائهم، والتركيز على تطوير مهاراتهم وقدراتهم.

عواقب وخيمة على الفرد
في نهاية المطاف، يتجلى التفاخر بالانشغال كظاهرة معقدة تتجاوز كونها مجرد سلوك شخصي. إنها تعكس رغبة عميقة في الحصول على الاعتراف والتقدير، ولكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى عواقب وخيمة على الفرد وعلى بيئة العمل ككل. فبينما يحرص هؤلاء الأفراد على بناء صورة إيجابية عن أنفسهم، فإنهم يخلقون في الواقع انطباعًا سلبيًا عن قدراتهم على إدارة العمل والتعامل مع الضغوط.
وبالطبع، فإن فهم أسباب هذا السلوك وتأثيراته يعد الخطوة الأولى نحو التصدي له. فمن خلال توعية الأفراد والمؤسسات بأضرار التفاخر بالانشغال، يمكننا خلق بيئات عمل أكثر صحية وإنتاجية؛ حيث يتم تقييم الموظفين بناءً على نتائجهم الفعلية وليس على قدرتهم على التحدث عن أنفسهم.


