عادة ما تستخدم الجمعيات الخيرية ومنظمات الإغاثة الإعلانات الخادعة من خلال عرض قصص وصور تقشعر لها الأبدان. بهدف جذب تعاطف الجمهور وبالتالي تقديم أكبر قدر من التبرعات.
وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحها في جمع مبالغ ضخمة للتبرعات إلا أنها توجه للمنظمة تهمة “إباحية الفقر” أو ما يسمى “Poverty Porn” . وهي استراتيجية تلجأ لها المنظمات غير الربحية والمنظمات الخيرية لكسب التعاطف والتبرعات من المتبرعين. من خلال عرض صور استغلالية لأشخاص يعيشون في ظروف الفقر المدقع.

وأثبتت دراسة علمية أجرتها ديبورا سمول؛ الاستشارية في إدارة الأعمال بجامعة ييل الأمريكية، حول “كيف يقيم المشاهد القيمة الأخلاقية في الإعلانات؟” أن الجمهور ينزعج كثيرًا من النماذج المتصنعة في الإعلانات أو الإعلانات الخادعة. مقارنة بالإعلانات التي تبالغ في الأمور أو تركز على المظهر الخارجي. وهذا الاستنتاج مهم لمن يعملون في مجال الإعلانات.
كيف تصبح الإعلانات خادعة؟
يعود سبب تركيز الإعلانات الخيرية على شخص معين إلى مدى نجاح مجرد صورة محبطة أو قصة حزينة في جمع مبلغ كبير من التبرعات. وذلك مقارنة بذكر الإحصائيات أو عرض الأزمة بشكل جماعي لمجموعة ما.
ويشير علماء النفس إلى أن من طبيعة البشر التعاطف والتفاعل أكثر مع شخص محدد أكثر من تعاطفهم مع أشخاص عامة؛ ما يعرف بـ “تأثير الضحية القابلة للتحديد”. أو “identifiable victim effect.” وهو مصطلح يعني استجابةً الناس للكوارث أو الحالات الصعبة تكون أقوى عند عرضها بطريقة تحديد أفراد معينين أو معروفين. بدلًا من مجرد إحصائيات أو أرقام مجردة.
وأجرت ديبورا سمول؛ التي تدرس المجالات التي يتداخل فيها اختيار المستهلك والحكم الأخلاقي والسلوك الاجتماعي الإيجابي، عدة مشاريع بحثية لاستكشاف تعقيدات تأثير الضحية القابلة للتحديد.
وفي إحدى الدراسات اختبرت ما حدث عندما تم إبلاغ المتبرعين المحتملين بالتحيزات التي يقودها تأثير الضحية القابلة للتحديد.
ووجدت أنه بدلًا من محاولة موازنة عطائهم بأن يكونوا أكثر سخاءً مع غير محددي الهوية. فإن الأشخاص الذين خضعوا للدراسة أعطوا أقل لمن يمكن تحديد هويتهم.
وفي دراسة أخرى بحثت كيف أثرت تعابير وجه الأشخاص الذين تم تصويرهم خلال الإعلانات الخيرية في التبرعات.
تضارب استجابة الجمهور
وعلى مدار هذه المشاريع أثار الناس جدلًا حول أخلاقيات التماس المساعدات من خلال تصوير المعاناة الإنسانية. ووصف النقاد مثل هذه الأساليب بأنها ”إباحية الفقر“ الضارة، وشجبوا مثل هذه الصور باعتبارها استغلالية وموضوعية ومضللة. وبينما كانت ديبورا سمول تنظر في هذه الاعتراضات الأخلاقية تساءلت عن مدى انتشارها.
تقول ديبورا: “أنا مهتمة ليس فقط بكيفية تصرف الناس، ولكن أيضًا بحدس الناس الأخلاقي حول ما هو صواب وما هو خطأ. كنت أشعر بالفضول لمعرفة ما إذا كانت هذه الانتقادات مشتركة بشكل بديهي بين معظم الناس العاديين، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا؟”.
تساءلت أيضًا: أين يحدد المتبرعون المحتملون الخط الفاصل عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الإعلانات. هل يهم مدى دقة الصور المزعجة؟ هل التلاعب بالعاطفة أو الأكاذيب مقبول إذا كان من أجل قضية نبيلة؟وأيضًا أين يرسم المتبرعون المحتملون الخط الفاصل عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الإعلانات؟
ما هي نظرية “تأثير الضحية القابلة للتحديد”؟
بالتالي أجرت كل من ديبورا سمول وشانون دنكان؛ وهي طالبة دكتوراه في كلية وارتون لإدارة الأعمال، وإيما ليفين من كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو والتي تعمل حاليًا عضو هيئة تدريس زائر في كلية إدارة الأعمال بجامعة ييل. سلسلة من الدراسات التي طلبت من المشاركين تقييم مدى قبولهم لأساليب الإعلانات الخادعة المختلفة لمنظمات الإغاثة.
وكانت نتائجها واضحة ومتسقة: معظم الناس لم يروا مشكلة تذكر في استفادة المنظمات الخيرية من ”تأثير الضحية القابل للتحديد“ وإدراج أشخاص حقيقيين في حملاتهم التسويقية. مع استثناء واحد وهو عندما ينطوي على الخداع.
الاستراتيجيات الشائعة في الإعلانات الخادعة
كانت الخطوة الأولى التي اتبعتها ديبورا وزميلاتها هي تحديد المقصود عندما يتهم ناقد ما منظمة ما بنشر ”إباحية الفقر“. وبقراءة أكبر عدد ممكن من هذه الانتقادات التي تمكنمن العثور عليها. لاحظن أن الاتهامات يمكن تصنيفها إلى فئتين: إما أنها تمثل تهمة الاستغلال/التجسيد (أي التركيز على كيفية تضرر موضوع الصورة من خلال التصوير) أو التلاعب/التضليل (أكثر اهتمامًا بكيفية تضرر الجمهور المتلقي المحتمل).
لذلك أعد الباحثون استبيانات يطلبون فيها من الأشخاص تقييم المقبولية الأخلاقية لمختلف السياسات التي يمكن أن تندرج تحت مظلة ”إباحية الفقر“.
وقيم الأشخاص خمس استراتيجيات يمكن أن تستخدمها الجمعيات الخيرية لالتماس التبرعات. مثل: استخدام ممثل لتصوير شخص محتاج، أو استخدام صورة نمطية للفقر. أو استغلال صورة فوتوغرافية. فضلًا عن تصوير أسوأ لحظات متلقي المساعدات.
وقيم المشاركون كل استراتيجية على مقياس من سبع درجات؛ من “غير مقبول على الإطلاق” إلى “مقبول تمامًا”.
نظرية الخداع أم التجسيد في الإعلانات؟
في هذه الدراسات الأولى اتضح أن الاستراتيجيات التي تعتمد على الخداع (مثل استخدام ممثل أو تمثيل صورة فوتوغرافية) تم الحكم عليها بأنها أقل قبولًا من تلك التي تتسم بالتنميط أو التجسيد (مثل إظهار أسوأ لحظات الشخص أو الاعتماد على الصور النمطية).
وتقول ديبورا سمول: ”بمجرد أن رأينا أن الاعتراض الأساسي كان على الخداع قادنا ذلك إلى الرغبة في فهم ما الذي يزعج الناس بشأن الخداع“.
ودفعتها هذه النتائج لإجراء دراسة بحثية جديدة حول الأحكام الأخلاقية للخداع في الإعلانات. والذي من خلاله تتطرق إلى ما هو أبعد من الإعلانات الخيرية لبحث معايير تقييم الحملات الإعلانية.
وتعتمد تلك الدراسة على طلب المشاركين تقييم إعلانات برنامج لإنقاص الوزن: أيهما أكثر قبولًا من الناحية الأخلاقية. إعلان يعرض صورًا قبل وبعد العميل الذي فقد أكبر قدر من الوزن. أم إعلان يعرض شخصًا لم يستخدم البرنامج مطلقًا؟
وأوضحت النتائج أن حكم المشاركين في الاستطلاع على الإعلانات الأكثر اصطناعًا كان أكثر قسوة. ولكن أولئك الذين يشاهدون إعلانًا يعرض شخصًا حقيقيًا ولكنه غير نمطي لديهم نظرة أقل دقة للمنتج.
وتقول ديبورا سمول: “إن الأشخاص الأكثر تضليلًا هم أولئك الذين يشاهدون الإعلانات التي تعرض إعلانات مصطنعة. لكن في أحكامهم الأخلاقية لا يزال الناس يعتبرون هذه الاستراتيجية هي الأكثر قبولًا”.
المقال الأصلي: (من هنـا)


