تشير دراسة حديثة أجرتها كلية هارفارد للأعمال في عام 2023، إلى واقع مرير يعيق مسيرة نمو الشركات الناشئة؛ إذ كشفت النتائج أن 93 % من هذه الشركات تفشل في تحقيق النمو المستدام. هذا الإحصاء الصارخ يطرح تساؤلات جوهرية حول الأسباب الكامنة وراء هذا التحدي الكبير الذي يواجه ريادة الأعمال في مختلف أنحاء العالم.
ولعل أبرز التحديات التي تواجه الشركات الناشئة تكمن في اختيار المسار الخاطئ؛ ففي خضم التنافس الشديد والسوق المتقلبة، كما تتخذ العديد من الشركات قرارات حاسمة قد تحدد مصيرها؛ إلا أن غياب الرؤية الواضحة والاستراتيجية المدروسة قد يدفع بها إلى اتخاذ خطوات لا تتوافق مع أهدافها وطموحاتها. فاختيار السوق المناسب، وتحديد العملاء المستهدفين، وبناء نموذج أعمال فعال، كلها عوامل بالغة الأهمية تتطلب دراسة متأنية وتحليلًا دقيقًا.
نمو الشركات الناشئة
والحق أن اختيار المسار الخاطئ ليس العائق الوحيد الذي يواجه نمو الشركات الناشئة؛ بل هناك العديد من العوامل الأخرى التي تساهم في زيادة معدلات الفشل. فمن بين هذه العوامل نقص التمويل، وعدم وجود شبكة علاقات قوية، والتغيرات السريعة في بيئة الأعمال. بالإضافة إلى قلة الخبرة الإدارية لدى مؤسسي الشركات. كل هذه التحديات مجتمعة تشكل عقبات حقيقية أمام تحقيق النمو المنشود.
وفي ظل هذه المعطيات؛ يصبح من الضروري أن تتبنى الشركات الناشئة استراتيجيات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التغيرات المتسارعة في السوق. كما ينبغي عليها الاستفادة من الخبرات المتراكمة للشركات الناجحة، وبناء شراكات استراتيجية مع المؤسسات الحكومية والخاصة. ولا شك أن توفير بيئة أعمال محفزة وداعمة للابتكار يعد عاملًا حاسمًا في تعزيز قدرة الشركات الناشئة على النمو والتطور.
استراتيجيات نمو الشركات الناشئة
لطالما كان الحديث عن نمو الشركات الناشئة محط اهتمام رواد الأعمال والمستثمرين على حد سواء؛ إذ يعد هذا النمو الركيزة الأساسية لاستمرارية الشركات وتوسعها في الأسواق. في الواقع، تتنوع استراتيجيات النمو التي تتبعها الشركات؛ إذ يمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسيين: “النمو العضوي، والنمو غير العضوي”.
كما يكمن الاختلاف الجوهري بين هذين النوعين في الطريقة التي تستخدمها الشركات لتحقيق النمو، سواء من خلال التوسع الداخلي أو الاستحواذات والاندماجات الخارجية.

أولًا: النمو العضوي
تعد استراتيجيات النمو العضوي، حجر الأساس في بناء الشركات الناشئة؛ فهي تعتمد على الجهود الداخلية للشركة لتحقيق التوسع، دون اللجوء إلى عمليات الاندماج أو الاستحواذ. كما تشمل هذه الاستراتيجيات مجموعة من الخيارات المتاحة للشركات، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1. ابتكار نماذج أعمال جديدة
يشهد عالم الأعمال تحولات جذرية بفضل التطور التكنولوجي المتسارع. وفي هذا الإطار، بات ابتكار نماذج أعمال جديدة أحد أهم محركات النمو للشركات الناشئة. ومن خلال التفكير خارج الصندوق وتبني أفكار مبتكرة، يمكن للشركات الناشئة دخول صناعات جديدة وتلبية احتياجات لم يتم تلبيتها من قبل.
مثال: “شركات التكنولوجيا المالية “FinTech” التي قدمت حلولًا مبتكرة في مجال الخدمات المالية؛ مثل: “المدفوعات الرقمية والتمويل الجماعي، وغيرها”.
2. المنتجات والخدمات الجديدة
تعد القدرة على تطوير منتجات وخدمات جديدة من العوامل الأساسية لنجاح الشركات الناشئة؛ فمن خلال الاستماع إلى احتياجات العملاء وتوقع التغيرات المستقبلية، يمكن للشركات الناشئة تقديم عروض قيمة تجذب عملاء جدد وتحافظ على ولاء العملاء الحاليين.
مثال: شركات التكنولوجيا التي طورت تطبيقات الهواتف الذكية؛ لتلبية احتياجات المستخدمين المتزايدة في مختلف المجالات.
3. التوسع في أسواق جديدة
لا يقتصر النمو على السوق المحلي فقط؛ بل يمكن للشركات الناشئة التوسع في أسواق جديدة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. هذا التوسع يتطلب دراسة متأنية للأسواق المستهدفة وتكييف المنتجات والخدمات لتناسب الثقافات والعادات المحلية.
مثال: شركات التجارة الإلكترونية التي استطاعت الوصول إلى جمهور عالمي واسع من خلال منصاتها الرقمية.
4. زيادة المبيعات للعملاء الحاليين
لا ينبغي أن تركز الشركات الناشئة فقط على جذب عملاء جدد؛ بل يجب عليها أيضًا العمل على زيادة مبيعاتها للعملاء الحاليين. هذا يمكن تحقيقه من خلال بناء علاقات قوية مع العملاء، وتقديم خدمات ما بعد البيع المتميزة، وتطوير برامج ولاء العملاء.
مثال: شركات التجزئة التي تستخدم برامج المكافآت؛ لجذب العملاء وتشجيعهم على تكرار الشراء.
ثانيًا: استراتيجيات النمو غير العضوي
ثمة حراك متسارع في عالم الأعمال؛ إذ تسعى الشركات الناشئة جاهدة لتحقيق النمو والتوسع. وفي هذا السياق، تبرز استراتيجيات النمو غير العضوي كأداة قوية لتحقيق قفزات نوعية في مسيرة هذه الشركات. هذه الاستراتيجيات، التي تعتمد على التوسع من خلال وسائل خارجية، تتيح للشركات الناشئة الوصول إلى أسواق جديدة، واكتساب خبرات جديدة، وتعزيز مكانتها التنافسية في وقت قياسي.
1. الاستحواذ
لا شك أن الاستحواذ على شركة أخرى من أهم الاستراتيجيات غير العضوية؛ فمن خلال الاستحواذ، تحصل الشركة الناشئة على أصول الشركة المستحوذ عليها، بما في ذلك علامتها التجارية، وقاعدتها العملاء، وتكنولوجيتها؛ ما يوفر لها ميزة تنافسية كبيرة ويسرع من عملية النمو.
مثال: شركات التكنولوجيا الكبرى التي تستحوذ باستمرار على الشركات الناشئة الواعدة؛ لتعزيز محفظتها من المنتجات والخدمات.
2. الاندماج
الاندماج، هو عملية دمج شركتين أو أكثر لإنشاء كيان جديد. هذا الاندماج يمكن أن يكون أفقيًا “بين شركتين تعملان في نفس الصناعة”، أو عموديًا “بين شركتين تعملان في مراحل مختلفة من سلسلة القيمة”. وبالطبع، يوفر الاندماج للشركات الناشئة فرصة تحقيق وفورات في التكاليف، وزيادة حصتها في السوق، وتوسيع نطاق عملياتها.
مثال: اندماج شركتي صناعة السيارات؛ لإنشاء كيان جديد قادر على المنافسة على مستوى عالمي.
3. الشراكة الاستراتيجية
الشراكة الاستراتيجية، هي اتفاقية تعاون بين شركتين أو أكثر لتحقيق هدف مشترك، ويمكن أن تكون هذه الشراكات قصيرة الأجل أو طويلة الأجل.
كما يمكن أن تشمل تبادل التكنولوجيا، أو التوزيع المشترك للمنتجات، أو تطوير منتجات جديدة. وعلاوة على ذلك، تتيح الشراكات الاستراتيجية للشركات الناشئة:
– الوصول إلى أسواق جديدة.
– اكتساب خبرات جديدة.
– تقاسم المخاطر والتكاليف.
مثال: شراكة بين شركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وشركة تقليدية لدمج التكنولوجيا الحديثة في منتجاتها.
وفي نهاية المطاف، تواجه الشركات الناشئة تحديات جمة في مسيرتها نحو النمو، أبرزها نقص التمويل والمنافسة الشديدة. ومع ذلك، فإن القدرة على الابتكار والتكيف مع التغيرات المتسارعة في السوق هي مفتاح النجاح. وبالطبع، يمكن للشركات الناشئة التغلب على هذه التحديات. وذلك من خلال تبني استراتيجيات نمو متنوعة، بدءًا من ابتكار نماذج أعمال جديدة، وصولًا إلى الشراكات الاستراتيجية.


