يبدو أن مسألة تحليل التفوق المطلق في قطاع التكنولوجيا شهدت تضييقًا حاسمًا. ما استدعى إعادة النظر في تصنيف عمالقة القطاع؛ فبعد الاعتراف بوجود شركات لا مثيل لها في التاريخ. مثل: مجموعة “السبعة العظماء”، جاءت التطورات الأخيرة لتُركز الضوء على ثلاث كيانات فقط، تحكم قبضتها على مستقبل خدمات السحابة العالمية.
في حين أطلق الخبراء، على هذه الشركات الثلاث اسم “AMG”. وهو اختصار يرمز إلى الركائز الأساسية للقطاع: أمازون (Amazon)، ومايكروسوفت (Microsoft)، وجوجل (Google).
وتكمن العبقرية الاقتصادية لهذه الشركات في كونها أكبر مزودي خدمات السحابة في العالم على الإطلاق. متفوقةً بفارق شاسع على أقرب المنافسين.
الحجم غير المسبوق
بلغ قطاع خدمات السحابة حجمًا ضخمًا لم يكن متوقعًا في السابق، محققًا بذلك دورة مالية قوية تتجدد زخمها وإيراداتها تقريبًا في كل ربع سنة.
هذا النمو المستدام والمغلق هو ما يمنح شركات “AMG” مناعة استثمارية فريدة ويضمن استمرار هيمنتها.
بينما للدخول والمنافسة في هذا المجال الحيوي ينبغي على أي شركة أن تنفق مليارات الدولارات سنويًا على بناء وتوسعة مراكز البيانات العالمية. وشراء أحدث وأضخم المعدات التقنية. هذا ويعد ذلك الإنفاق الرأسمالي الهائل العتبة الرئيسة التي ترسم فيها ملامح القوة التنافسية لخدمات السحابة.

دورة المال المتضخمة
بمجرد استكمال هذه البنى التحتية التكنولوجية الضخمة تتمكن تلك الشركات الثلاث من تأجير قوة الحوسبة والتخزين والخدمات التقنية الأخرى. وتقدم هذه الخدمات كبنية تحتية للشركات والحكومات والمطورين والمؤسسات حول العالم؛ ما يفتح لها سوقًا غير محدود.
كما تبدأ الإيرادات بالتدفق السريع نسبيًا، وتتميز بارتفاع هامش الربح التشغيلي. نظرًا لطبيعة الخدمات الرقمية القابلة للتوسع. ثم تعيد شركات “AMG” استثمار جزء كبير من تلك الأرباح في بناء وتطوير مراكز بيانات جديدة وشراء المزيد من المعدات. ما يضمن تضخم الخدمة السحابية وتحسينها المستمر.
التفوق على المنافسين
هذه الدورة الإيجابية والمالية المغلقة هي ما يضع “AMG” في موقع إستراتيجي متقدم يميزها عن بقية عمالقة التكنولوجيا. الذين لا يملكون نماذج عمل بهذه الكفاءة الاستثمارية المرتفعة. وذلك التميز هو مفتاح فهم القوة السوقية الحالية.
على سبيل المثال: تتجلى هذه الفجوة مع شركة ميتا؛ فعلى الرغم من أنها تنفق هي الأخرى مليارات الدولارات على مراكز البيانات والمعدات التقنية لدعم طموحها. إلا أنها لا تملك خدمة سحابية يمكن تأجيرها لجهات خارجية.
وبالتالي تفتقر ميتا إلى وسيلة واضحة ومضمونة وسريعة لاسترداد هذا الاستثمار الهائل وتحقيق عائدات فورية.
عدم مقدرة «ميتا» على الإقناع
ربما يكون هذا الغياب للذراع السحابية هو أحد الأسباب الرئيسة وراء تراجع أسهم ميتا في بعض الأوقات. نظرًا لعدم تقديم مديرها التنفيذي مارك زوكربيرج إجابة مقنعة ونهائية للمساهمين حول كيفية استفادة رأس المال من هذه البنية التحتية الضخمة. والتي يتم تخصيصها لمشاريع مستقبلية بعيدة المدى.
وفي المقابل تمتلك مجموعة “AMG” إجابة واضحة ومقنعة تترجم فورًا إلى أرباح هائلة. حيث أعلنت أمازون تحقيق إيرادات سحابية بلغت 33 مليار دولار. محققةً أرباحًا صافية بلغت 11 مليار دولار في ربع سنة واحد فقط من خلال خدمة AWS.
هامش الربح غير المسبوق
علاوة على ذلك يترجم هذا الأداء المالي المذهل إلى هامش ربح تشغيلي يصل إلى 35%. وهو رقم ضخم وقياسي للغاية لعملية بهذا الحجم الهائل تعمل في سوق تتسم بالمنافسة الشديدة والمستمرة. ويعكس هذا الهامش جودة الإدارة وفاعلية النموذج التشغيلي.
ولفهم مدى تفرد ظاهرة “AMG” تظهر بيانات محللي بنك باركليز أن هذه الشركات الثلاث تستحوذ على النصيب الأكبر والمطلق من النفقات الرأسمالية في قطاع التكنولوجيا. وذلك الإنفاق الضخم هو مؤشر على التزامها المستقبلي بالهيمنة.
النمو المذهل لإيرادات الحوسبة
تظهر التقارير الخاصة بإيرادات الحوسبة السحابية الأخيرة نموًا مذهلًا ومستمرًا لهذه الإيرادات. ما يؤكد تزايد اعتماد الشركات حول العالم على هذه البنى التحتية المؤجرة.
في حين لا تزال خدمة Amazon Web Services (AWS) تتربع على عرش السحابة العالمي بحصة سوقية هي الأكبر. ما يؤكد ريادتها التاريخية للقطاع.
ومن الجدير بالذكر أن شركات بهذا الحجم غالبًا ما تجد صعوبة في مواصلة النمو بمعدلات تتجاوز 20%. وهو ما تنجح فيه مجموعة “AMG” بانتظام.
ورغم أن AWS تباطأت مؤخرًا نسبيًا في النمو، إلا أنها تجاوزت مجددًا حاجز الـ 20% في الربع الثالث؛ ما أشعل ارتفاعًا كبيرًا في الأسهم.
مقياس النمو القيمي وتفوق (Azure)
يعد مقياس معدل النمو بالدولار، الذي يستخدم لقياس القيمة المطلقة للإيرادات الإضافية خلال الاثني عشر شهرًا الماضية (TTM). المقياس الأكثر دقة في وول ستريت.
هذا المقياس يكشف عن أيّ من عمالقة السحابة ينمو أسرع من حيث القيمة المطلقة للدولارات التي يضيفها. وليس بالنسبة المئوية الخادعة.
وتظهر البيانات الأخيرة أن خدمة مايكروسوفت أزور (Azure) هي الأسرع نموًا وفق هذا المقياس القيمي المطلق. ما يضعها في موقع تنافسي متقدم يهدد صدارة AWS. ويعكس هذا النجاح اعتماد الشركات على حلول مايكروسوفت المؤسسية.

تباطؤ وتيرة (AWS)
كما تُظهر البيانات القيمة أن وتيرة نمو AWS تباطأت نسبيًا منذ الطفرة غير المسبوقة التي أحدثتها الجائحة العالمية. والتي دفعت بالطلب على الحوسبة السحابية إلى مستويات قياسية. ومع ذلك، تبقى الإيرادات المطلقة التي تحققها AWS هائلة.
كذلك تبرهن هذه المؤشرات المالية على أن الشركات الثلاث “AMG” تسيطر بشكلٍ مشترك ومحكم على سوق خدمات السحابة العالمية. وهو ما يضمن لها دورة نمو ذاتي لا تتأثر بالصعوبات الاقتصادية العامة.
استدامة التفوق وتشكيل المستقبل
باختصار: يكمن جوهر تفوق شركات أمازون، ومايكروسوفت، وجوجل في امتلاكها دورة مالية مغلقة وذكية. تبدأ بإنفاق رأسمالي ضخم وتتوج بإيرادات مربحة يتم إعادة استثمارها فورًا في البنية التحتية لخدمات السحابة. هذا النموذج يضمن النمو المتواصل.
وفي النهاية تعد مجموعة “AMG” قاطرة الاقتصاد الرقمي الحديث. فليست هذه الشركات مجرد عمالقة تكنولوجيين. بل هي مهندسو البنية التحتية الرقمية التي تشكل مستقبل الصناعات والحكومات حول العالم. ما يرسخ تفوقها في السوق لعقود قادمة.


