في عالم القيادة والأعمال، لا يقاس النجاح دائمًا بالثقة المطلقة أو الإحساس الدائم بالكفاءة؛ بل قد يكون الشك الذاتي ذاته هو المحرك الخفي للإنجاز.
ومن هنا، تبرز متلازمة المحتال كأحد أكثر المفاهيم النفسية حضورًا في قصص القادة الناجحين؛ حيث تتحول من عبء داخلي إلى أداة فعّالة لصناعة التفوق. هذا ما جسدته تجربة أنجالي سود؛ الرئيسة التنفيذية لمنصة توبي (Tubi)، التي قدّمت نموذجًا واقعيًا لكيف يمكن للقلق الداخلي أن يقود إلى نمو مهني استثنائي.
مفهوم متلازمة المحتال
تعرف متلازمة المحتال بأنها شعور داخلي دائم بالشك في القدرات الذاتية، والخوف من أن يكون النجاح ناتجًا عن الصدفة أو مبالغة الآخرين في التقدير.
وعلى الرغم من شيوع الاعتقاد بأن هذا الإحساس يقتصر على المبتدئين، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك تمامًا؛ إذ يلازم كبار التنفيذيين وأصحاب المناصب العليا.
وفي هذا السياق، كشفت أنجالي سود، في مقابلة ضمن برنامج CNBC Changemakers عُرضت في 1 مايو الماضي، أن إدراكها المتأخر لحقيقة أن «لا أحد لديه كل الإجابات» شكّل نقطة تحوّل مفصلية في مسيرتها.
وأوضحت أن الجميع، مهما بلغ موقعه، يحاول اتخاذ أفضل القرارات بناءً على ما يمتلكه من معلومات. دون وجود نموذج مثالي أو إجابات جاهزة.
ومن ناحية أخرى، تؤكد التجارب القيادية أن متلازمة المحتال لا تعني ضعفًا مهنيًا. بل قد تكون انعكاسًا لمعايير داخلية عالية يفرضها القادة على أنفسهم؛ ما يجعلها سمة شائعة بين الطموحين وأصحاب الرؤى المستقبلية.
قيادة تنمو وسط الشك لا رغم النجاح
تعد مسيرة أنجالي سود مثالًا واضحًا على كيفية التعايش مع متلازمة المحتال وتحويلها إلى عنصر قوة. فبعد خبرة مهنية في شركات كبرى مثل أمازون وفيميو، تولّت سود قيادة منصة توبي التابعة لشركة فوكس كورب في 2023. في خطوة اعتبرها كثيرون تحديًا بالغ الصعوبة.
وبمرور الوقت، أثبتت التجربة نجاحها؛ إذ شهدت منصة البث المجاني نموًا لافتًا تجاوز 100 مليون مستخدم نشط شهريًا، وفقًا لبيانات الشركة. ورغم هذا الإنجاز، تؤكد سود أنها لا تزال تشعر بمتلازمة المحتال يوميًا. وهو ما يعكس طبيعة هذا الشعور المتجذر حتى لدى أكثر القادة نجاحًا.
وعلاوة على ذلك، تشير سود إلى أن الإحساس الدائم بالتحدي والخوف من الفشل يدفعها إلى مزيد من الاجتهاد والتعلّم المستمر. معتبرة أن التغلب الكامل على متلازمة المحتال ليس الهدف؛ بل كيفية إدارتها بذكاء وتحويلها إلى دافع إيجابي.

متلازمة المحتال ظاهرة قيادية بامتياز
لا تقتصر متلازمة المحتال على التجارب الفردية؛ بل تؤكدها الأرقام والدراسات الحديثة. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة Korn Ferry وشمل نحو 400 مسؤول تنفيذي، ونشر في يونيو 2024، أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الرؤساء التنفيذيين في الولايات المتحدة يعانون من هذا الشعور بدرجات متفاوتة.
ويشير هذا الرقم إلى أن الشك الذاتي ليس استثناءً، بل جزءًا من الواقع النفسي للقيادة الحديثة. خصوصًا في بيئات العمل سريعة التغير والمليئة بالتحديات.
كما يسلّط الضوء على أن النجاح لا يلغي القلق؛ بل قد يزيده مع تصاعد المسؤوليات.
وفي السياق ذاته، يحذّر بعض الخبراء من أن الإفراط في الشعور بمتلازمة المحتال قد يؤدي إلى شلل نفسي وتردد في اتخاذ القرار. إلا أن التعامل المتوازن معها قد يحوّلها إلى أداة للتركيز والانضباط الذاتي.
الشك الذاتي مقدمة للنمو لا للفشل
من جانبه، يرى آدم غرانت؛ عالم النفس التنظيمي، أن متلازمة المحتال ليست اضطرابًا نفسيًا؛ بل استجابة طبيعية لمعايير داخلية عالية يصعب تحقيقها بشكلٍ كامل.
وفي منشور له على منصة «إكس» في سبتمبر 2022، أوضح أن الشك في النفس لا يعني الفشل الوشيك. بل غالبًا ما يدل على مواجهة تحدٍ جديد وفرصة للتعلّم.
وأضاف “غرانت” أن الشعور بعدم اليقين يعد مرحلة تمهيدية للنمو الشخصي والمهني. كما أكد أن القادة الذين يشعرون بالتردد أحيانًا هم الأكثر استعدادًا للتطور. مقارنةً بمن يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة.
وبالتالي، تتحول متلازمة المحتال، وفق هذا المنظور، من عائق نفسي إلى مؤشر إيجابي على الطموح والقدرة على التكيّف مع المتغيرات.
حين يصبح الشك ميزة تنافسية
لم يقتصر تقدير متلازمة المحتال على الأكاديميين، بل امتد إلى رواد الأعمال والمستثمرين. فالمستثمرة الأمريكية باربرا كوركوران تؤكد أن الشك الذاتي المعتدل يدفع الأفراد إلى العمل بجدية أكبر وسد فجوات المعرفة باستمرار.
وخلال مشاركتها في ندوة Fiverr Bridge the Gap في مارس 2023، أشارت “كوركوران” إلى أن الأشخاص الأكثر نجاحًا غالبًا ما يكونون الأكثر تشككًا في أنفسهم. لأن هذا الشعور هو ما يحفّزهم على التطور الدائم. وأضافت أنها لم تلتقِ يومًا بشخص شديد الثقة بنفسه وكان نجمًا استثنائيًا بالفعل.
وفي المجمل، تؤكد تجربة أنجالي سود أن النجاح لا يتطلب التخلص من متلازمة المحتال. بل احتضانها وتطويعها لصالح النمو. فالمراهنة على الذات -حتى في ظل الخوف- تبقى الخطوة الأولى لإحداث تأثير حقيقي ومستدام في عالم القيادة والأعمال.


