في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها صناعة أشباه الموصلات عالميًا، تتجه الأنظار إلى التحركات الإستراتيجية التي تقوم بها كبرى الشركات المصنعة للرقائق، وفي مقدمتها شركة سامسونج للإلكترونيات، التي تستعد للدخول بقوة إلى سباق الجيل الجديد من الذاكرة عالية النطاق الترددي، عبر شرائح رقائق HBM4، في خطوة تحمل أبعادًا تقنية واقتصادية عميقة.
وتشير المعلومات التي نقلتها وكالة «رويترز» إلى أن سامسونج تخطط لبدء إنتاج رقائق HBM4 اعتبارًا من الشهر المقبل. مع توجه لتوريد هذه الشرائح إلى شركة إنفيديا، الرائدة عالميًا في تصميم معالجات الرسوميات ومسرّعات الذكاء الاصطناعي.
الأمر الذي يعكس ثقة متزايدة في قدرات سامسونج التقنية بعد فترة من التحديات التي واجهتها على صعيد سلاسل الإمداد والأداء المالي.
ويأتي هذا التوجه في وقت بالغ الحساسية؛ إذ تحاول سامسونج تعويض ما فاتها خلال العام الماضي، بعدما تسببت تأخيرات الإمدادات في التأثير على أرباحها وأسعار أسهمها.
وذلك في مقابل صعود لافت لمنافستها المحلية إس كيه هاينكس، التي رسخت مكانتها بوصفها المورد الرئيسي لشرائح الذاكرة المتقدمة اللازمة لتشغيل مسرّعات الذكاء الاصطناعي لدى إنفيديا. ما يجعل عودة سامسونج إلى المنافسة عبر رقائق HBM4 تطورًا محوريًا في المشهد الصناعي.
سباق الهيمنة على سوق الذاكرة المتقدمة
يعكس الإعلان غير الرسمي عن قرب بدء إنتاج رقائق HBM4 احتدام المنافسة بين عملاقي الذاكرة في كوريا الجنوبية؛ حيث تسعى سامسونج إلى تضييق الفجوة مع إس كيه هاينكس، التي سبقتها بخطوات في تلبية الطلب المتزايد على حلول الذاكرة عالية الأداء. خصوصًا مع الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والحوسبة فائقة السرعة.
وتبرز أهمية رقائق HBM4 كونها تمثل الجيل التالي من الذاكرة عالية النطاق الترددي، المصممة لتوفير سرعات نقل بيانات أعلى وكفاءة طاقة أفضل. بما يتماشى مع متطلبات المعالجات المتقدمة التي تطورها شركات مثل إنفيديا وAMD. وهو ما يفسر اجتياز سامسونج لاختبارات التأهيل الخاصة بهاتين الشركتين، وفقًا لما أوردته صحيفة كوريا إيكونوميك ديلي نقلًا عن مصادر في صناعة الرقائق.
وتوازيًا مع هذه التطورات، سجّلت الأسواق المالية تفاعلًا فوريًا مع الأنباء؛ إذ ارتفعت أسهم سامسونج بنسبة 2.2%. بينما تراجعت أسهم إس كيه هاينكس بنسبة 2.9% في تعاملات الصباح. في إشارة واضحة إلى أن المستثمرين ينظرون إلى تقدم سامسونج في مجال رقائق HBM4 بوصفه عاملًا إيجابيًا قد يعيد التوازن إلى المنافسة.
إستراتيجيات الإنتاج وتوسع الطاقة التصنيعية
تتزامن تحركات سامسونج مع استعدادات موازية لدى إس كيه هاينكس، التي أعلنت في أكتوبر الماضي إتمام محادثات توريد شرائح HBM مع عملاء رئيسيين للعام المقبل. ما يعكس إدراكًا متبادلًا لدى الشركتين لأهمية تأمين الطلب طويل الأجل في سوق سريع النمو.
وتخطط إس كيه هاينكس لبدء إدخال رقائق السيليكون الشهر المقبل إلى مصنعها الجديد M15X في مدينة تشيونغجو بكوريا الجنوبية، بهدف إنتاج شرائح HBM، بحسب تصريحات سابقة لأحد التنفيذيين في الشركة. دون توضيح ما إذا كانت رقائق HBM4 ستدخل ضمن الدفعة الأولى من الإنتاج. وهو ما يترك المجال مفتوحًا للتكهنات بشأن توقيت المنافسة المباشرة بين الجانبين على هذا الجيل المتقدم.
ويعزز هذا المشهد التنافسي ترقب الأسواق لإعلان نتائج أعمال الربع الأخير لكل من سامسونج وإس كيه هاينكس، والمقرر صدورها الخميس القادم. حيث ينتظر أن تكشف الشركتان عن تفاصيل إضافية تتعلق بطلبات رقائق HBM4، وحجم الالتزامات التعاقدية مع كبار العملاء. وهو ما قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة من السباق الصناعي.
إنفيديا والذكاء الاصطناعي محركًا للطلب
يلعب الطلب المتنامي من جانب إنفيديا دورًا محوريًا في تسريع وتيرة الاستثمار في رقائق HBM4. لا سيما بعد تأكيد الرئيس التنفيذي للشركة، جنسن هوانغ، أن الجيل الجديد من رقائق إنفيديا، المعروف بمنصة Vera Rubin، بات في مرحلة «الإنتاج الكامل»، استعدادًا لإطلاقه لاحقًا هذا العام.
ويرتبط إطلاق منصة Vera Rubin بشكلٍ مباشر بتبني رقائق HBM4، ما يسلط الضوء على الأهمية الإستراتيجية لهذه الشرائح في دعم الأداء الفائق لمعالجات الذكاء الاصطناعي. سواء في مراكز البيانات أو تطبيقات الحوسبة المتقدمة. وهو ما يمنح موردي الذاكرة موقعًا بالغ التأثير في سلسلة القيمة التقنية.
ويتوقع أن تسهم هذه التطورات في إعادة تشكيل توازن القوى داخل سوق أشباه الموصلات؛ حيث لم تعد المنافسة تقتصر على حجم الإنتاج فحسب. بل باتت تمتد إلى سرعة الابتكار والقدرة على تلبية متطلبات العملاء الأكثر تقدمًا. الأمر الذي يجعل رقائق HBM4 كلمة السر في المرحلة المقبلة من التحول الرقمي العالمي.



