تتجه أنظار الأسواق العالمية اليوم نحو شركة أمازون؛ حيث تواجه معادلة حرجة توازن بين وتيرة تسريحات أمازون اللافتة وبين ضخ استثمارات مليارية غير مسبوقة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
هذا التباين الحاد أثار جدلًا واسعًا حول إستراتيجية الشركة طويلة الأمد، ومدى قدرتها على التوفيق بين الانضباط المالي والطموح التكنولوجي الجريء، لا سيما مع ترقب المستثمرين لنتائج قطاع الحوسبة السحابية (AWS) التي تكشف ملامح المرحلة المقبلة.
وبالتزامن مع خطة تقليص القوى العاملة التي تطال نحو 15 ألف وظيفة إدارية، رفعت الشركة إنفاقها الرأسمالي بنسبة 55% ليصل إلى 35.1 مليار دولار وفقًا لتقارير “Economic Times”.
وتعكس هذه الخطوات تحولًا جذريًا تقوده الأتمتة المتقدمة وليس مجرد رغبة في التقشف. إذ تسعى أمازون إلى إعادة هيكلة نموذجها التشغيلي ليعتمد كليًا على الكفاءة التقنية. ما يضع الكوادر البشرية في مواجهة مباشرة مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي الصاعدة.
وعلى الرغم من الاستقرار النسبي لسهم الشركة الذي سجل نموًا طفيفًا بنسبة 0.5% مؤخرًا، تسيطر حالة من التوجس على أوساط صغار المستثمرين تجاه مستقبل الربحية.
وتتزايد المخاوف من اتساع الفجوة بين نمو الإيرادات المحقق وتراجع كفاءة العوائد الفعلية. ما يجعل التحدي الحقيقي أمام الإدارة يكمن في إثبات جدوى هذا الإنفاق الضخم وقدرته على توليد قيمة مضافة تعوض خسائر القوى العاملة.
تراجع معنويات المستثمرين رغم صعود السهم
تشير بيانات الأسواق إلى أن معنويات المستثمرين الأفراد تجاه سهم أمازون شهدت تحولًا ملحوظًا نحو السلبية. إذ انخفض مؤشر المعنويات إلى –0.15 مقارنة بمتوسط ربعي إيجابي بلغ 0.12.
ويأتي هذا التراجع في وقت لا تزال فيه شركات تكنولوجية كبرى، مثل: NVIDIA وAlphabet وMeta وApple، تحافظ على مستويات ثقة أعلى، رغم الضغوط الاقتصادية العالمية.
ويرى محللون أن هذا التحول لا يرتبط بأداء السهم على المدى القصير بقدر ما يعكس مخاوف أعمق تتعلق بالهيكل المالي للشركة. فرغم تسجيل نمو في الإيرادات بنسبة 13.4% لم يرتفع الدخل التشغيلي سوى بنسبة 0.06%. وهو ما اعتبره المستثمرون مؤشرًا مقلقًا على تآكل كفاءة الإنفاق.
وبينما تتزايد الضغوط الناتجة عن أسعار الفائدة المرتفعة والتقلبات الجيوسياسية يصبح أي خلل بين الإنفاق والعائد موضع تدقيق صارم. خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشركة بحجم وتأثير أمازون.
تسريحات «أمازون»
تشمل موجة تسريحات أمازون الأخيرة عدة وحدات داخل الشركة، من بينها AWS، وقطاع التجزئة الأساسي، وPrime Video إضافة إلى الموارد البشرية.
وفي هذا السياق أوضح آندي جاسي؛ الرئيس التنفيذي للشركة، أن هذه الخطوات تأتي في إطار تحول ثقافي شامل يعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة التشغيلية.
لكن هذا التبرير لم يبدد مخاوف شريحة من المستثمرين، الذين يرون أن خفض الوظائف بهذا الحجم قد يشير إلى تغيرات هيكلية طويلة الأمد، لا مجرد استجابة ظرفية لدورة اقتصادية متقلبة. ويعزز هذا القلق تزامن تسريحات أمازون مع انخفاض التدفق النقدي الحر إلى 14.8 مليار دولار.
كما زادت الضغوط مع تسجيل رسوم خاصة بلغت 4.3 مليار دولار. ما انعكس سلبًا على الدخل التشغيلي، رغم تسارع نمو AWS إلى نحو 20%، دون تحقيق قفزة موازية في هوامش الربحية.
الذكاء الاصطناعي واستنزاف السيولة قصيرة الأجل
لا يشكك المستثمرون في أهمية الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية لمستقبل أمازون، إلا أن توقيت هذا الرهان يثير علامات استفهام. فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتطلب استثمارات ضخمة مقدمًا، بعوائد غير مضمونة على المدى القريب. وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على السيولة.
ويؤكد محللون أن إنفاق 35.1 مليار دولار خلال ربع واحد فقط يعكس حجم الرهان الذي تخوضه أمازون. لكنه في الوقت ذاته يزيد من حساسية السوق تجاه أي تباطؤ في تحقيق العائد على رأس المال المستثمر (ROIC)، الذي بات المؤشر الأكثر متابعة قبيل إعلان النتائج المالية.
وفي ظل تباطؤ الطلب الاستهلاكي في بعض الولايات الأمريكية، وتشديد الشركات على مراجعة تكاليف الحوسبة السحابية. تبدو مهمة تحويل هذه الاستثمارات إلى أرباح عالية الهوامش أكثر تعقيدًا.
أداء السهم مقارنة بعمالقة التكنولوجيا
منذ بداية العام ارتفع سهم أمازون بنحو 4.1% فقط، وهو أداء متواضع مقارنة بارتفاع سهم NVIDIA بنحو 27.5%، وقفزة Alphabet التي تجاوزت 60% خلال العام الماضي. كما تفوقت Meta وApple على أمازون بفضل وضوح إستراتيجيات تحقيق الأرباح من الذكاء الاصطناعي.
ورغم ذلك لا تزال وول ستريت تحتفظ بنظرة إيجابية تجاه السهم؛ إذ يصنف نحو 95% من المحللين سهم أمازون على أنه “شراء”. مع متوسط سعر مستهدف يبلغ 295 دولارًا، ما يعكس توقعات بصعود يقارب 26%.
لكن الفجوة بين التفاؤل المؤسسي والتشكيك الفردي تظل قائمة. لا سيما في ظل مقارنة هوامش أمازون التشغيلية، التي تدور حول 11%، مع هوامش NVIDIA التي تتجاوز 50%.
«أمازون» أمام اختبار الثقة قبل إعلان الأرباح
تدخل أمازون مرحلة مفصلية في مسيرتها؛ حيث بات عليها إثبات أن إنفاقها السنوي الذي يتجاوز 100 مليار دولار قادر على توليد قيمة مستدامة، وليس مجرد تضخم في التكاليف. ويُنظر إلى تقرير الأرباح المرتقب في 5 فبراير المقبل بوصفه محطة حاسمة لتقييم جدوى هذا المسار.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تنجح تسريحات أمازون واستثمارات الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة النمو طويل الأجل. أم تتحول إلى عامل ضغط يحد من جاذبية السهم؟ الإجابة تتضح تدريجيًا. مع قدرة الشركة على استعادة ثقة المستثمرين وترجمة الرهانات التكنولوجية إلى أرباح ملموسة.


