يبدو أن سعر البيتكوين يدخل مرحلة اختبار جديدة تجمع بين التفاؤل الحذر والتقلبات الجيوسياسية، بعدما سجلت العملة الرقمية الأشهر عالميًا ارتفاعًا محدودًا في تعاملات اليوم الاثنين، مدفوعةً بمكاسب أسهم شركات التكنولوجيا، لكن دون أن تتمكن من تحقيق قفزات قوية تعكس شهية مخاطرة مرتفعة لدى المستثمرين.
ووفقًا لما نقلته وكالة “رويترز”، جاء هذا التحرك في سعر البيتكوين وسط أجواء عالمية تتسم بالحذر. إذ لم تفلح موجة الصعود التي شهدتها أسهم التكنولوجيا في تعويض المخاوف المتزايدة بشأن تداعيات الهجوم الأمريكي على فنزويلا.
وألقت هذه التطورات بظلالها على معنويات المستثمرين، الذين باتوا يوازنون بين فرص النمو ومخاطر عدم الاستقرار.
وإلى جانب ذلك، يترقب المستثمرون هذا الأسبوع صدور مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المفصلية. وعلى رأسها بيانات الوظائف غير الزراعية الأمريكية لشهر ديسمبر. لما لها من تأثير مباشر في توقعات السياسة النقدية الأمريكية. وبالتالي في تحركات الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها سعر البيتكوين والعملات الرقمية الأخرى.
أداء سعر البيتكوين وتفاعل الأسواق الرقمية
ارتفعت البيتكوين بنحو 1.1% لتستقر عند مستويات 92,264.5 دولار بحلول الساعة 6:33 صباحًا بتوقيت جرينتش. مدفوعةً بالزخم الإيجابي القوي الذي اجتاح أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى.
ويربط المراقبون هذا الصعود بتجدد التفاؤل حيال آفاق القطاع التقني، لا سيما مع التوسع المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أعادت رسم توقعات النمو المستقبلي.
علاوة على ذلك، انسحب هذا التأثير الإيجابي على العملات الرقمية البديلة التي سجلت مكاسب متباينة، وسط ميل عام لدى المستثمرين لتجنب المبالغة في المخاطرة.
ويعكس هذا السلوك المتحفظ تحول البيتكوين نحو التحرك في نطاقات سعرية مدروسة. ما يبرهن على وعي السوق المتزايد بحساسية المرحلة الراهنة وتقلباتها.
بيد أن هذه المكاسب واجهت ضغوطًا كبحت جماح انطلاقتها، نتيجة سيطرة الحذر على قرارات المتداولين بفعل المخاوف السياسية المتصاعدة. وتأتي هذه الحالة من الترقب مدفوعة بتداعيات الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. ما يفتح الباب أمام سيناريوهات جيوسياسية معقدة قد تلقي بظلالها على الأسواق العالمية.
التطورات الجيوسياسية
من ناحية أخرى، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن واشنطن ستتولى إدارة شؤون فنزويلا مؤقتًا لحين انتخاب زعيم جديد. كاشفًا عن خطة طموح لفتح قطاع النفط الفنزويلي أمام الاستثمارات.
وأحدثت هذه التصريحات زلزالًا في الأوساط السياسية نظرًا لأبعادها الإستراتيجية العميقة. كونها تحمل في طياتها احتمالات جذرية لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية وتغيير موازين القوى في سوق النفط.
وتصاعدت حدة الانقسامات الدولية حيال هذه الخطوة بشكل متسارع. إذ سارعت دول أمريكا اللاتينية المجاورة إلى إدانة التحركات الأمريكية واصفة إياها بالتدخل السافر.
وانضمت روسيا والصين بوضوح إلى جبهة الرفض؛ ما أجج التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى. وهو ما انعكس فورًا على شهية المخاطرة في الأسواق المالية التي أصبحت تتحسس من أي تصعيد سياسي مفاجئ.
وتضاعفت حالة عدم اليقين العالمي عقب تحذيرات ترامب بشن إجراءات مماثلة ضد كولومبيا وكوبا. مع التلويح بضربة محتملة ضد إيران؛ ما دفع المستثمرين للهروب نحو الملاذات الآمنة.
وأدى هذا الاندفاع نحو الذهب والدولار إلى كبح جماح العملات المشفرة؛ حيث فضل المتعاملون التخلي عن الأصول عالية المخاطر مثل البيتكوين بانتظار ما ستسفر عنه هذه العاصفة السياسية.
حركة العملات الرقمية الأخرى
وعلى صعيد العملات الرقمية الكبرى، استقر سعر الإيثيريوم، ثاني أكبر عملة رقمية في العالم، عند 3144.41 دولارًا. ما يعكس حالة من التوازن بين قوى الشراء والبيع. وفي المقابل، ارتفع سعر الريبل بنسبة 2.1%. مستفيدًا من تحسن نسبي في شهية المستثمرين تجاه بعض الأصول البديلة.
كما ارتفع سعر بي إن بي بنسبة 1%، في حين سجل كل من سولانا وكاردانو ارتفاعًا بنسبة أقل من 1% لكل منهما. وهو ما يشير إلى أن المكاسب لا تزال انتقائية، ولا تعكس موجة صعود شاملة في سوق العملات الرقمية.
أما بالنسبة لعملات “الميم”، فقد تباين أداؤها بشكلٍ واضح؛ حيث انخفض سعر دوجكوين بنسبة 0.4%. بينما ارتفع سعر عملة ترامب بنسبة 0.6%. ويعكس هذا التفاوت طبيعة هذه العملات شديدة التأثر بالأخبار والتوجهات النفسية للمستثمرين، مقارنةً بالأصول الرقمية الأكثر رسوخًا مثل سعر البيتكوين.
وفي المحصلة، يبدو أن سعر البيتكوين يقف عند مفترق طرق حساس، تحكمه معادلة دقيقة بين التفاؤل التكنولوجي والمخاطر الجيوسياسية. في انتظار ما ستسفر عنه البيانات الاقتصادية الأمريكية والتطورات السياسية العالمية. والتي ستحدد ملامح الاتجاه القادم لسوق العملات الرقمية.



