مع اتساع اقتصاد المبدعين أو اقتصاد صناع المحتوى إلى سوق عالمية تُقدّر بنحو 205 مليار دولار، يكتشف كثير من المبدعين أن النمو لا يجلب فرصًا إبداعية فحسب؛ بل يفرض أيضًا مسؤوليات ضريبية وإدارية متزايدة.
وكان هذا التحول محور فعالية «من الشغف إلى الربح: ما الذي ينبغي أن يعرفه المبدعون لموسم الضرائب 2026»، التي استضافتها شركة H&R Block في حي غرينبوينت في بروكلين مؤخرًا. كما جمعت مختصين في الضرائب وصناع محتوى لمناقشة سرعة تحول المشاريع الإبداعية إلى شركات تواجه التزامات ضريبية ورواتب ومتطلبات امتثال قانوني.
ضغوط مالية
وقال آندي فيليبس؛ نائب رئيس معهد الضرائب في «إتش آند آر بلوك»، إن المبدعين يمثلون «صورة مصغرة» من مجتمع الشركات الصغيرة الأوسع. مشيرًا إلى أنهم غالبًا ما يواجهون تعقيدات ضريبية ومتعلقة بالرواتب في وقت أبكر من رواد الأعمال التقليديين.
كما أضاف أن 7 من كل 10 مبدعين يعتبرون الشؤون المالية أكبر مصدر قلق لأعمالهم. فيما قال ربعهم إن الضرائب تمثل أكبر مصدر توتر. وتعكس هذه المؤشرات، بحسبه، نمو شريحة من أصحاب الأعمال بوتيرة سريعة من دون أن تواكبها أنظمة امتثال وتنظيم مالية راسخة.
من موظف إلى مستقل
كذلك تناول النقاش التحول من عقلية الموظف الذي يتقاضى أجرًا بنموذج «W-2»؛ حيث يتولى صاحب العمل إدارة الاستقطاعات الضريبية والتقارير السنوية، إلى واقع العمل الحر.
وأوضح “فيليبس” أن كثيرًا من المبدعين يؤجلون التفكير في الضرائب والمحاسبة حتى موسم الإقرار. بعدما يكونوا قد أغفلوا سداد الضرائب التقديرية الفصلية أو تتبع الدخل والمصروفات بدقة، ليجدوا أنفسهم أمام فاتورة ضريبية كبيرة.
وغالبًا ما يتواصل هؤلاء بعد إدراك حجم الالتزامات المتراكمة. ما يضطرهم إلى إعادة بناء سجلات أشهر من الإيرادات والمصروفات. ما يكشف فجوات في حفظ البيانات ويعقّد التخطيط المستقبلي.
تعقيدات الرواتب
ومع توسع أعمالهم، يبدأ العديد من المبدعين بالتعاقد مع مستقلين. ما يتطلب جمع نماذج «W-9» وتتبع المدفوعات وإصدار نماذج «1099-NEC» عند الحاجة. إلا أن التعقيد يتضاعف عند تعيين موظفين دائمين.
وأوضح “فيليبس” أن توظيف موظفين يضيف التزامات جديدة تتعلق باقتطاع ضريبة الدخل. وحصص الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، إلى جانب ضرائب البطالة الفيدرالية. كما أكد أن أخطاء الرواتب قد تكون لها تبعات فورية على العاملين. ما يجعل التعامل معها كأمر ثانوي مخاطرة مكلفة.
تغييرات تشريعية
وتطرق المشاركون إلى التعديلات الضريبية التي أُقرت بموجب «قانون الضرائب الكبير والجميل» (One Big Beautiful Bill Act)، والتي دخلت حيز التنفيذ في 2026، لا سيما ما يتعلق بحدود الإبلاغ عبر نموذج «1099-K» لمنصات الدفع الإلكترونية.
كما أوضح “فيليبس” أن الحد الفيدرالي عاد إلى أكثر من 20 ألف دولار و200 معاملة سنويًا. بدلًا من قاعدة 600 دولار التي كان مقررًا تطبيقها. وأكد أن التغيير يتعلق بحد الإبلاغ وليس بواجب سداد الضريب؛ إذ يظل الدخل خاضعًا للضريبة بغض النظر عن تلقي النموذج من عدمه.
كما أُعلن رفع حد الإبلاغ في نموذج «1099-NEC» إلى 2000 دولار بدءًا من 2026، مع ربطه بالتضخم لاحقًا. ما قد يقلل عدد النماذج الصادرة، لكنه لا يُغني عن ضرورة التتبع الدقيق.
هيكلة الأعمال
ومع ارتفاع الدخل، يعيد كثير من المبدعين النظر في هيكل أعمالهم. ويبدأ العديد منهم بتأسيس شركات ذات مسؤولية محدودة «LLC» للحماية القانونية، قبل التفكير في اختيار المعاملة الضريبية كشركة «S».
غير أن هذا الخيار، رغم ما قد يوفره من خفض في ضرائب العمل الحر في بعض الحالات، يفرض التزامًا بدفع «أجر معقول» للمالك عبر نموذج «W-2». ما يعني دخولهم رسميًا في نظام رواتب كامل بكل متطلباته.
مخاطر متعددة الولايات
كما نوقشت تعقيدات العمل عبر ولايات مختلفة، إذ قد يؤدي توظيف عاملين في ولايات أخرى أو السفر المتكرر لتصوير المحتوى وإبرام الشراكات إلى نشوء التزامات ضريبية محلية غير متوقعة. وأشار فيليبس إلى أن بعض الولايات تطبق قواعد صارمة لتصنيف العمال. ما يزيد مخاطر الخطأ في حال الاعتماد على ترتيبات غير رسمية.
جاهزية الامتثال
وشدد المتحدثون على أهمية الفصل بين الحسابات الشخصية والتجارية، معتبرين خلط الأموال «إشارة تحذير واضحة» في حال التدقيق الضريبي.
كما أوصوا بتخصيص حسابات مستقلة لنفقات السفر والمعدات والبرمجيات ومدفوعات المتعاقدين، إضافة إلى ادخار جزء من الدخل لتغطية الضرائب الدورية والتزامات الرواتب في فترات تراجع الإيرادات.
ويرى خبراء أن نمو اقتصاد المبدعين سيزيد الطلب على خدمات الرواتب والضرائب والمحاسبة، مع انتقال عدد متزايد من صناع المحتوى من مرحلة العمل الفردي إلى وضع «صاحب العمل»، بما يحمله ذلك من مسؤوليات تنظيمية متكاملة.
المصدر: thomsonreuters



