تشير دراسة شاركت في تأليفها جيزيم سيلان؛ من كلية الطب بجامعة ييل، إلى أن غالبية القصص الكاذبة تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بواسطة عدد صغير من المستخدمين المتكررين.
على سبيل المثال، في الأشهر الأولى من جائحة “كوفيد- 19″، انتشرت على الإنترنت منشورات ومقاطع فيديو، تروج للعلاجات الطبيعية للفيروس. وقد شمل ذلك أشياءً شتى من استنشاق البخار إلى الزنجبيل.
وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة
كما يوجد سؤال مفاده: ما الذي يفسر عاصفة الإعجابات والمشاركات التي تدفع المعلومات المضللة عبر الإنترنت من خلال شبكة التواصل الاجتماعي؟
يرى بعض العلماء أن الناس ينشرون الأكاذيب بدافع التحيز. بينما يزعم آخرون أن فشل التفكير النقدي أو محو الأمية الإعلامية هو المسؤول.
لكن بحثًا جديدًا أجرته جيزيم سيلان؛ باحثة ما بعد الدكتوراه في كلية الطب بجامعة ييل، يشير إلى أن هذه التفسيرات تغفل شيئًا مهمًا. كذلك ثمة دراسة جديدة شارك في تأليفها إيان أندرسون، ووندي وود، من جامعة جنوب كاليفورنيا.
وجدت “سيلان” أن أنظمة المكافآت لمنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، تشجع المستخدمين عن غير قصد على نشر المعلومات المضللة.
كما أنه من خلال تعزيز المشاركة باستمرار – أي مشاركة – بالإعجابات والتعليقات، خلقت المنصات مستخدمين معتادين لا يهتمون إلى حد كبير بالمحتوى الذي ينشرونه. ويظهر البحث أن هؤلاء المستخدمين المعتادين ينشرون حصة غير متناسبة من المعلومات المضللة.
كذلك تقول “سيلان”: “ليس الأمر أن الناس كسالى أو لا يريدون معرفة الحقيقة. إن أنظمة المكافآت في المنصات خاطئة تمامًا”.
نتائج واستبصارات
كما أجرى الباحثون عدة تجارب لاختبار كيفية تفاعل أنواع مختلفة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي مع العناوين الحقيقية والكاذبة.
في التجربة الأولى، طلبوا من المشاركين مراجعة ثمانية عناوين حقيقية وثمانية أخرى كاذبة. وتحديد ما إذا كانوا سيشاركونها في موجز فيسبوك المحاكاة.
كما طرحوا عدة أسئلة مصممة لتقييم مدى استخدام المشاركين لفيسبوك بشكل اعتيادي: أي مقدار الوقت الذي يقضونه على المنصة. ومدى مشاركتهم للمحتوى تلقائيًا.
كذلك أظهرت النتائج عمومًا أن المشاركين في عناوين حقيقية أكثر بكثير من العناوين الكاذبة. ومع ذلك، كانت الأنماط مختلفة على نحو ملاحظ لمستخدمي فيسبوك الأكثر اعتيادًا.
كما لم يشارك المشاركون في عناوين أكثر عمومًا فحسب. بل شاركوا أيضًا بنسبة متساوية تقريبًا من العناوين الحقيقية (43%) والكاذبة (38%). على النقيض من ذلك، شارك المستخدمون الأقل تكرارًا 15% من العناوين الحقيقية و6% فقط من العناوين الكاذبة.
وقد حسبت “سيلان” وزملاؤها المشاركون أن 15% من مستخدمي “فيسبوك” الأكثر اعتيادًا كانوا مسؤولين عن 37% من العناوين الرئيسة الكاذبة التي تمت مشاركتها في الدراسة. ما يشير إلى أن عددًا صغيرًا نسبيًا من الأشخاص يمكن أن يكون له تأثير كبير على النظام البيئي للمعلومات.
نشر المعلومات المضللة
ولكن لماذا ينشر المستخدمون الأكثر استخدامًا أكبر قدر من المعلومات المضللة؟ هل لأن المعلومات المضللة تتفق مع معتقداتهم؟ لم يكن الأمر كذلك. كما وجدت تجربة لاحقة. واكتشف الباحثون أن المستخدمين المعتادين سينشرون حتى معلومات مضللة تتعارض مع معتقداتهم السياسية.
كذلك في هذه التجربة، طلبت “سيلان” وزملاؤها من المشاركين النظر في العناوين التي تعكس التحيز الحزبي. ثم فحصوا المشاركة المتوافقة (أي الليبراليين الذين يتشاركون عناوين ليبرالية أو المحافظين الذين يتشاركون عناوين محافظة) والمشاركة المتنافرة (الليبراليون الذين يتشاركون عناوين محافظة والعكس صحيح) بين كل من مستخدمي “فيسبوك” المعتادين والأقل تكرارًا.
ومن المثير للاهتمام أنه في حين أظهر المستخدمون الأقل تكرارًا تفضيلًا واضحًا للمشاركة المتوافقة مقارنة بالعناوين المتنافرة (أي تعكس التحيز الحزبي الموجود في البحوث السابقة). كان النمط أقل وضوحًا بين المستخدمين الأكثر تكرارًا.
كما شارك هؤلاء المستخدمون المعتادون عمومًا أكثر وأظهروا أيضًا تفضيلًا أقل قوة للمعلومات المتوافقة مقارنة بالمعلومات المتنافرة، وهو مؤشر آخر على أن العادة كانت تدفع سلوكهم.
كذلك بالنسبة لـ”سيلان”، هذا لا يشير إلى أن مستخدمي فيسبوك المتكررين ليسوا مدفوعين إيديولوجيًا أو كسالى في معالجتهم عندما ينشرون معلومات مضللة.
ولكن بدلًا من ذلك. عندما يتم تنشيط عادات المشاركة لدى المستخدمين بإشارات من المنصة الاجتماعية. فإن المحتوى الذي يشاركونه لا يكون ذا أهمية إلى حد كبير بالنسبة لهم. كما أنهم ينشرون ببساطة لأن المنصة تكافئ النشر بالتفاعل في شكل إعجابات وتعليقات وإعادة مشاركة.
وتقول: “كان هذا بمثابة صدمة لمجتمع بحوث المعلومات المضللة. وما أظهرناه هو أنه إذا كان الناس من المشاركين المعتادين، فإنهم سيشاركون أي نوع من المعلومات، لأنهم لا يهتمون بالمحتوى. إن كل ما يهمهم هو الإعجابات والاهتمام. ويصبح المحتوى الذي يحظى بالاهتمام جزءًا من التمثيلات الذهنية للمستخدمين المعتادين. كما أنه وبمرور الوقت، يشاركون فقط المحتوى الذي يناسب هذا التمثيل الذهني.
وبالتالي، فإن المكافآت على منصة اجتماعية تشكل أهمية بالغة في تشكيل عادات الناس، وما ينسجمون في مشاركته مع الآخرين.

الخروج من فخ الأكاذيب
كما تشير الدراسة أيضًا إلى طريقة محتملة للخروج من هذا الفخ. ففي تجربتهم الأخيرة، أجرى الباحثون محاكاة هيكل جديد يكافئ المشاركين على الدقة. فعندما يشاركون معلومات دقيقة، يتم منح المشاركين نقاطًا يمكن استبدالها ببطاقة هدايا من “أمازون”.
كذلك تشرح “سيلان”: “في هذه المحاكاة، شارك الجميع الكثير من العناوين الحقيقية والقليل من العناوين الكاذبة. ولم تكن عاداتهم السابقة على وسائل التواصل الاجتماعي مهمة.
إن هذا يعني أنه عندما تكافئ الناس على الدقة، فإنهم يتعلمون نوع المحتوى الذي يحصل على المكافآت ويبنون عادات لمشاركة هذا المحتوى (أي الدقة في هذه الحالة)”.
كما أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن المستخدمين استمروا في مشاركة العناوين الدقيقة حتى بعد أن أزال الباحثون مكافأة الدقة. وتُظهر هذه النتائج أنه يمكن تحفيز المستخدمين على تطوير عادة جديدة “الدقة”.
ترى لـ”سيلان”، أن البحث يوضح مدى قوة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على عاداتنا، إذ تهدف المنصات إلى تحقيق المزيد من الربح والمشاركة، أي المزيد من المستخدمين الذين يقضون ساعات أطول في استخدامها.
كذلك من خلال مكافأة وتضخيم أي نوع من المشاركة بغض النظر عن جودتها أو دقتها، خلقت المنصات مستخدمين سيشاركون بلا تمييز.
كما تؤكد: “إنها مشكلة نظامية وليست فردية. نحن بحاجة إلى خلق بيئات أفضل على وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدة الناس على اتخاذ قرارات أفضل”.
وفي نهاية المطاف لا يمكننا الاستمرار في إلقاء اللوم على المستخدمين لإظهار التحيزات السياسية أو الكسل في مشكلة المعلومات المضللة. يتعين علينا تغيير هيكل المكافأة على هذه المنصات.
للاطلاع على الدراسة الأصلية (هنـــــــــــا).


