تنحّي مارك زوكربيرج عن صدارة مشهد الشباب المؤثرين في وادي السيليكون لم يعد مجرد ضرب من الخيال؛ فالساحة التقنية اليوم تشهد صعود بريندن فودي، الشاب الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، والذي استطاع بكل اقتدار أن ينتقل -بزمن قياسي- من صفوف جيل يتهمه البعض بالعزوف عن العمل الجاد إلى واجهة قائمة المليارديرات العصاميين.
يبرز فودي مع اثنين من زملائه السابقين بفريق المناظرات في منطقة الخليج بكاليفورنيا، ليشكلوا ثلاثيًا رائدًا. نجح الثلاثة، عبر مشروعهم المشترك «ميركور»، وهي شركة ناشئة متخصصة في أتمتة عمليات التوظيف بالذكاء الاصطناعي، في الدخول إلى عالم التقنية من أوسع أبوابه.
وجاء ذلك بعدما حصدت شركتهم جولة تمويل ضخمة دفعتهم مباشرة نحو نادي المليارديرات، مؤكدةً قوة الابتكار الشبابي.
رحلة تشبه الخيال
بدأت قصة فودي عندما شارك مع زميليه آدارش هيريماث وسوريا ميدها في هاكاثون بمدينة ساو باولو البرازيلية. وهناك بالتحديد أدرك الشباب الثلاثة أنهم أمام فرصة فريدة قادرة على تغيير مستقبل التوظيف عالميًا. فصمموا نموذجًا أوليًا لمنصة تعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي لتبسيط العملية.
وذلك بدءًا من فرز السير الذاتية ومطابقة المرشحين، وصولًا إلى إجراء مقابلات افتراضية مدعومة بخوارزميات متقدمة للغاية.

ومع أن الفكرة ولدت في بيئة منافسات تقنية محدودة فإنها سرعان ما تحولت إلى مشروع قابل للنمو بشكلٍ هائل. وهو ما تحقق بفضل رؤية المؤسسين وقدرتهم الاستثنائية على تحويل الفكرة إلى منتج قابل للاستخدام التجاري خلال أشهر قليلة فقط.
وتوجت جهودهم عندما وصلت الشركة بعد تسعة أشهر فقط إلى معدل إيرادات سنوية يبلغ مليون دولار. مؤكدةً كفاءة نموذج العمل الجديد.
وبالتزامن مع هذا النجاح المبكر والسريع جاء التحول الأكبر مع جولة التمويل الضخمة التي قادتها Felicis Ventures. كما شاركت شركات بارزة، مثل: Benchmark وGeneral Catalyst والمستثمر الجديد Robinhood Ventures.
هذا الاستثمار الهائل رفع تقييم الشركة إلى 10 مليارات دولار. وبذلك صار الثلاثة رسميًا ضمن نادي “الديكاكورن”؛ ليصبحوا مثالًا للقوة التحويلية للذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال.
صعود نحو القمة بلا توقف
قبل تأسيس «ميركور» كان فودي طالبًا يدرس بجامعة جورج تاون. لكن الشغف الحقيقي قاده إلى قرار مصيري تمثل في ترك الدراسة والتفرغ بالكامل للمشروع الوليد.
ويؤكد فودي أن قراره لم يكن مجرد مغامرة غير محسوبة. بل جاء خطوة محسوبة نابعة من شعور داخلي قوي بأن المستقبل يكمن فيما يبنيه خارج أسوار الجامعة. وهو ما يبرز إيمانه المبكر بجدوى فكرته الريادية.
ورغم ذلك تبدو يوميات الملياردير الشاب بعيدة كل البعد عن مظاهر الرفاهية أو المتعة التقليدية. وفي هذا الإطار يقول فودي: «جدول أعمالي حافل بالاجتماعات لدرجة أن الأسبوع الطويل قد يبدو وكأنه أربعون ساعة لقاءات متواصلة».
لكن لا يشعر فودي بالإرهاق؛ بل يرى هذا الانغماس التام والمكثف في العمل هو ما يحافظ على شغفه مشتعلًا، ويدفعه دائمًا نحو الأمام.
وبالإضافة إلى ذلك يؤكد فودي أن أفضل أيامه تلك التي تكون خالية من الاجتماعات والالتزامات الجاهزة. يستطيع حينها التركيز على كتابة الوثائق المهمة، ووضع خطط تطوير المنتج المستقبلية، وتأمل الأفكار الجديدة بعمق.
ويتضح من ذلك أن السر ليس في عدد ساعات العمل الطويلة فقط. بل يكمن جوهره في كيفية استثمار هذه الساعات؛ بما يخدم الإبداع والنمو المنهجي للمشروع.
فلسفة الانضباط
يعترف فودي بأنه لم يأخذ يومًا واحدًا إجازة منذ ثلاث سنوات كاملة، تلك حقيقة قد تبدو صادمة لكنها منسجمة تمامًا مع عقليته الريادية. فهو يرى أن العمل الجاد لا يسبب الاحتراق الوظيفي بحد ذاته. بل الاحتراق يحدث غالبًا عندما يعمل الإنسان بشيء لا يشعر تجاهه بالانتماء أو القيمة الحقيقية. ويقدم بذلك تعريفًا جديدًا للعلاقة بين الجهد المبذول والدافع الشخصي.
ولهذا السبب يقول فودي: «الناس لا يحترقون فقط لأنهم يعملون كثيرًا، بل لأنهم يعملون كثيرًا بشيء لا يمنحهم شعورًا بالإنجاز». تمثل هذه الفلسفة جوهر رؤيته لقيادة الأعمال؛ فالشغف لديه ليس مجرد شعار فضفاض. بل هو عنصر أساسي وحاسم في بناء الشركات سريعة النمو والقادرة على تحقيق تقييمات ضخمة.
ومن المثير للاهتمام أن هذا الوعي لم يكن موجودًا لديه أيام الجامعة؛ حيث كان يعد العمل مجرد التزام أكاديمي روتيني يفتقر إلى الدافع الحقيقي. أما اليوم فيقرّ بأنه يعيش حالة من «الهوس الإيجابي» تجاه مشروعه. مؤكدًا أنه يفكر به باستمرار حتى خلال تناول العشاء مع عائلته، وهو ما يوضح مدى انغماسه التام في رؤيته لـ «ميركور».
جيل جديد من الرياديين
في نهاية المطاف تكشف قصة بريندن فودي عن تحول واضح في بيئة ريادة الأعمال العالمية بأسرها. فالأمر لم يعد يتعلق حصرًا بالخبرة المكتسبة أو سنوات العمر الطويلة. بل يرتبط بشكلٍ مباشر بالسرعة الفائقة، والقدرة على الابتكار الجذري، والجرأة المطلوبة لاتخاذ القرارات المصيرية.
يرسخ هذا التحول جيلًا جديدًا لا يرى العمر عائقًا أمام تحقيق الإنجازات الكبرى.
ومن خلال مسيرته القصيرة والمذهلة يقدم فودي درسًا بالغ الأهمية لكل الشباب الطموحين؛ حيث يقول فودي: «النجاح لا يحتاج دائمًا إلى سنوات طويلة من الانتظار، لكنه يحتاج بالتأكيد إلى شغف حقيقي لا ينطفئ. وانضباط صارم في العمل، واستعداد تام للعمل بلا توقف عندما يستدعي الأمر ذلك». مؤكدًا أن الكفاءة تسبق الأقدمية.
وبينما يستمر مشروع «ميركور» في تحقيق النمو السريع والتوسع عالميًا على قدم وساق، يبدو واضحًا أن رحلة فودي ما تزال في بدايتها الفعلية. لذا قد يشهد عالم التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة نقلة جديدة. تقودها هذه الفئة الشابة التي تمتلك رؤية مختلفة ومُلهمة لمستقبل العمل والابتكار.



