يبدو أن العالم على مشارف عصر جديد من استخدام الطاقة النووية. مدفوعًا بالطلب المتزايد عليها من قبل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والدعم السياسي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحماسة رواد الأعمال الشباب الذين يجمعون مليارات الدولارات لبناء مفاعلات صغيرة.
على سبيل المثال: يقع مصنع شركة Aalo Atomics على مساحة 40 ألف قدم مربعة جنوب أوستن في تكساس. حيث يسعى الفنيون إلى تحريك ألواح فولاذية في آلات تتولى ثنيها وتدويرها ببطء لتتحول إلى أسطوانات بعرض 12 قدمًا.
كما يمكن إنتاج هذه الأوعية بتكلفة أقل لدى مقاولين خارجيين. ومع ذلك يصر مات لوزاك؛ الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، على تصنيعها داخليًا. حيث يضم كل وعاء قلب مفاعل نووي بقوة 10 ميجا وات.
كذلك تعمل خمسة من هذه المفاعلات الصغيرة، المعروفة باسم Aalo-1، معًا لتشغيل توربين كهربائي بقوة 50 ميجا وات. والتي تعد طاقة تكفي لتشغيل مركز بيانات كبير أو 45 ألف منزل.
وفي السياق ذاته قال المهندس الكندي لوزاك: “هذا ليس مشروعًا على الورق، إنه يبنى فعليًا”. ففي أغسطس الماضي اتجهت الشركة إلى العمل في موقع مساحته فدانان داخل مختبر أيداهو الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية. حيث تخطط لتحقيق “الحرجية النووية”.
وجاءت هذه الخطوة في الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة والموعد النهائي الذي حدده “ترامب” لثلاث شركات ناشئة -على الأقل- لإثبات جاهزية تصاميم مفاعلاتها النووية المتقدمة.
فيما تحمل شركة Aalo أحد الأوعية بقضبان وقود نووي جاهزة، ثم يبدأ تفاعل انشطاري ذاتي الاستدامة. لذا هي تحتاج إلى تطوير خطوط الإنتاج وسلاسل التوريد، وتوقيع عقود مع مراكز البيانات، بجانب الحصول على الموافقة النهائية من هيئة التنظيم النووي الأمريكية.
وفي السياق ذاته قال لوزاك: “سوف ننشئ المصنع، ونقلل التكلفة تدريجيًا، ونصل إلى المنتج الحلم”.
في حين تبحث الشركة عن مصنع ضخم بمساحة تصل إلى مليون قدم مربعة. ووظفت مؤخرًا برايسون جنتايل؛ المسؤول السابق عن تصنيع صاروخ Falcon 9 في شركة SpaceX، لتأسيس خط الإنتاج الضخم.
وجاءت هذه الخطوة مدفوعة بوجهة نظر لوزاك حول اتباع مسيرة إيلون ماسك في السيارات الكهربائية والصواريخ. فما إن يتحقق المستحيل مرة واحدة حتى يدرك الجميع أن بإمكانهم تحقيقه أيضًا. ويأمل أن تبدأ شركته في إنتاج الكهرباء عام 2027.
الذكاء الاصطناعي يفجر ثورة جديدة في الطاقة
يتزايد الطلب على الكهرباء بشكلٍ حاد وغير مسبوق، ويأتي هذا مدفوعًا بالتوسع الهائل لمراكز البيانات الضخمة التي تشكّل البنية التحتية لتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وفي هذا السياق تتسابق عشرات الشركات الناشئة، منها Valar Atomics وOklo وKairos Power وX-energy، وجميعها تعمل على تطوير جيل جديد من المفاعلات النووية الصغيرة.
وتتميز هذه المفاعلات بأنها جاهزة للتجميع السريع. ما يمكنها من تشغيل مراكز بيانات كاملة أو تقديم دعم فعال لشبكات الكهرباء القائمة.
ووفقًا لبيانات شركة PitchBook ضخ المستثمرون الكبار، بما يشمل شركات رأس المال الجريء والمليارديرات ووزارة الطاقة الأمريكية، أكثر من 4 مليارات دولار في الشركات النووية الناشئة خلال عام 2025 وحده. وهذا يمثل قفزة هائلة مقارنة بنحو 500 مليون دولار سجلت عام 2020.
وعلى الرغم من هذا تظل الصناعة بحاجة إلى عشرات المليارات الإضافية من التمويل حتى تعود إلى الواجهة بشكل كامل. كما تجسد تجربة شركة Aalo هذا الزخم؛ حيث جمعت الشركة المؤسسة قبل عامين نحو 136 مليون دولار، وكانت 100 مليون دولار منها في أغسطس الماضي. وذلك بقيادة Valor Equity Partners المملوكة للملياردير أنطونيو غراسياز.
كما يؤكد غراسياز أن Aalo ستكون من الشركات الرابحة في هذا المجال؛ وذلك نظرًا لاعتمادها على إستراتيجية التصنيع الداخلي والتكامل الرأسي، بأسلوب مشابه للنهج الذي اتبعته Tesla.
ومع ذلك لن ينجح جميع اللاعبين المشاركين في هذا السباق. إذ يعتمد النجاح على التوقيت المناسب والقدرة على التلبية السريعة للطلب.
احتياج «OpenAI» من الكهرباء
صرح سام ألتمان؛ الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، أنه يحتاج إلى 250 جيجا وات من الكهرباء خلال ثماني سنوات. وهي كمية تعادل استهلاك دولة بحجم البرازيل حاليًا.
ومن المتوقع أن تحتاج مراكز البيانات، بحلول عام 2030، إلى ضعف الـ 40 جيجا وات التي تستهلكها اليوم. وعندما تصل التكلفة الصناعية إلى متوسط 9 سنتات لكل كيلو وات/ساعة، سوف يعادل استهلاك الـ 40 جيجا وات المذكورة 32 مليار دولار سنويًا.
لكن سترتفع الأسعار بشكلٍ مؤكد مع استمرار زيادة الطلب على الطاقة. ومن المتوقع أن تخدم محطات الغاز الطبيعي نحو 60% من هذا التوسع، لكنها تعاني من قوائم انتظار تمتد لأربع سنوات.
وبالتالي يظهر فراغ هائل في توفير إمداد ثابت على مدار الساعة لا يمكن للطاقة الشمسية والرياح تلبيته. ما يبرز الدور الحاسم الذي يمكن للمفاعلات النووية الصغيرة أن تؤديه لملء هذا الفراغ.
توجه دول العالم إلى تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي محليًا
أوضح ألكسندر فيدياخين؛ النائب الأول لرئيس مجلس إدارة سبيربنك، الذي تحول من بنك تقليدي إلى تكتل تقني يركز على الذكاء الاصطناعي في روسيا، أن الدول التي تنجح في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي سوف تتمتع بقوة مماثلة للقوة التي تمنحها الأسلحة النووية. ما يتيح فرصًا للتفوق الإستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.
جاء ذلك خلال مقابلة مع وكالة رويترز خلال فعالية “AI Journey” في موسكو. حيث أضاف ألكسندر فيدياخين أن روسيا حققت إنجازًا بوضع نفسها ضمن سبع دول فقط تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي محلية بالكامل. حسبما ذكرت وكالة رويترز.
كذلك قال: “الذكاء الاصطناعي يشبه المشروع النووي. هناك (نادٍ نووي جديد) يتشكل عالميًا؛ إما أن تمتلك نموذجًا لغويًا ضخمًا وطنيًا، أو أنك خارج اللعبة”.
كما أكد أن روسيا تحتاج إلى اثنين أو ثلاثة نماذج ذكاء اصطناعي أصلية. وليس “نماذج أجنبية أعيد تدريبها”، خصوصًا في القطاعات الحساسة. مثل: الخدمات الحكومية الرقمية، والرعاية الصحية، والتعليم.
علاوة على ذلك أكد الرئيس فلاديمير بوتين؛ الأسبوع الماضي، أن امتلاك روسيا لنماذج ذكاء اصطناعي محلية الصنع أمر بالغ الأهمية للحفاظ على السيادة الوطنية.
المقال الأصلي: من هنـا


