في كل جيل تتكرر الحكاية ذاتها تقريبا، حيث ينظر الجيل السابق إلى اللاحق بعين الريبة، ويضعه في قالب جاهز من الانتقادات.
«الجيل الصامت» رأى في «الطفرة السكانية» تمردا بلا ضوابط، وهؤلاء بدورهم نظروا إلى «جيل إكس» بوصفه جيلاً ساخراً قليل الالتزام، ثم جاء الدور على «جيل الألفية» الذي وصم بالكسل والشعور بالاستحقاق.
واليوم يقف «جيل زد» في قلب هذه الدائرة، لكن هذه المرة داخل سوق العمل نفسه، حيث يجد كثير من المديرين والمؤسسات صعوبة حقيقية في فهمه، ناهيك عن إدارته.
في حلقة من «HBR IdeaCast»، تطرح أليسون بيرد سؤالا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد العمق: هل «جيل زد» مختلف حقا؟ أم أننا نعيد القصة نفسها مع شباب في مرحلة عمرية جديدة؟
جيل تشكل في زمن مختلف
يرى تيم إلمور، مؤلف كتاب «The Future Begins with Z»، أن جزءًا من سلوك «جيل زد» طبيعي بحكم العمر، لكن الجزء الأهم يرتبط بالسياق الذي نشأ فيه.
هذا جيل تشكل وعيه في عالم رقمي بالكامل، حيث الذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل، وتسارع المعلومات، والقلق العام، كلها عناصر يومية لا استثناء فيها.
والنتيجة؟
شباب يمتلكون «شعورا عاليا بالقدرة والتأثير»، يقابله في الوقت ذاته «قلق مرتفع» وتأخر نسبي في النضج الاجتماعي والعاطفي، خاصة بعد الجائحة.
مفارقة يصفها إلمور بـ«مفارقة بيتر بان»: قدرة مدهشة على التحليق وصناعة الأفكار، مقابل تردد واضح تجاه فكرة «النضج التقليدي».
معرفة أعلى.. ونضج أبطأ
في كثير من الشركات، يدخل موظف من «جيل زد» إلى العمل وهو يعرف أحياناً ما لا يعرفه مديره، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
هذا التفوق المعرفي قد يُفسّر خطأً على أنه «غرور»، بينما هو في كثير من الأحيان حماس مبكر ورغبة في إثبات الذات منذ اليوم الأول.
في المقابل، تظهر فجوات في السلوك المهني: تأخر عن الاجتماعات، ملابس غير رسمية في مواقف رسمية، أو عدم إدراك أثر الغياب على الفريق.
هنا لا يتحدث إلمور عن سوء نية، بل عن فجوة إدراكية تحتاج إلى توجيه لا إلى إدانة.
عندما تقتل المبادرة
يروي إلمور قصة شاب لامع تخرج من MIT، التحق بإحدى كبرى شركات السيارات، وحمل معه أفكارًا تطويرية واضحة.
اصطدم بجدار «اصبر دورك»، و«أنت صغير على القيادة».
المفارقة أن الأفكار نفسها لاقت ترحيباً من الإدارة العليا، لكنها ماتت في منتصف السلم الإداري، النتيجة؟ رحيل الشاب، وتأسيسه شركات ناجحة خارج المؤسسة.
الرسالة هنا واضحة:
«جيل زد» لا يحتمل بيئات تخنق المبادرة، ولا ينتظر سنوات طويلة ليُسمَع صوته.
المشكلة ليست في أخلاقيات العمل
أحد أكثر الأحكام شيوعًا هو أن «جيل زد لا يحب العمل»، لكن عندما تعمق إلمور في القصص الفردية، اكتشف واقعا مختلفا تماماً: وظائف متعددة، ضغوط مالية، مسؤوليات عائلية، وأعباء نفسية لا يراها المدير من مكتبه.
المشكلة، في كثير من الحالات، ليست «كسلًا»، بل «انقطاعا في التواصل».
ومن هنا تأتي النصيحة الجوهرية:
«لا تبدأ بالسيطرة، ابدأ بالثقة. لا تفكر في التحكم، فكّر في الاتصال».
من «حارس بوابة» إلى «دليل طريق»
في الأجيال السابقة، كانت «المنصب» كافيًا لمنح التأثير. أما «جيل زد»، فيمنح التأثير لمن يبني علاقة حقيقية، هم لا يرفضون السلطة، لكنهم لا يعترفون بها دون إنسانية وتواصل.
إلمور يختصر التحول المطلوب في صورة واحدة: القائد لم يعد «حارس بوابة»، بل «مرشدا» يسير مع الفريق، لا أمامه فقط.
الاستثمار الذي يصقل القادة
رغم كل التحديات، يرى إلمور أن «جيل زد» هو «ورق الصنفرة» الذي لم يكن القادة يعلمون أنهم بحاجة إليه. جيل لا يجامل، لا يقبل السلوكيات السامة باسم الخبرة، ويجبر القادة على أن يكونوا أفضل، أو يخسروا المواهب.
والسؤال التقليدي: و«ماذا لو استثمرنا فيهم ورحلوا؟»
يجيب إلمور بسؤال أعمق:
«وماذا لو لم نستثمر فيهم… وبقوا؟»
ختاماً، إدارة «جيل زد» ليست مهمة أسهل، لكنها فرصة أذكى.
فرصة لإعادة تعريف القيادة، وبناء مؤسسات تفهم المستقبل بدل أن تخشاه.
العائد ليس فقط موظفين أكثر ولاءً، بل ثقافة عمل أكثر صدقًا، وإنسانية، وقدرة على الابتكار.
وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، قد يكون هذا الجيل – بكل تناقضاته – هو الرهان الأكثر واقعية على الغد.


