ما بعد الحداثة وريادة الأعمال

ما بعد الحداثة وريادة الأعمال.. عولمة الفرص وتغيّر أنماط الإنتاج

جهد كبير ذاك الذي يُبذل من أجل المزاوجة بين ما بعد الحداثة وريادة الأعمال أو حتى مجرد وضعهما معًا على طرفي معادلة؛ ومرد ذلك إلى أن مفهوم ما بعد الحداثة يلفه الغموض منذ لحظة ميلاده الأولى، فهو مفهوم زئبقي، وحين نتحدث عما بعد الحداثة «تبدو كل الهررة رمادية» على حد تعبير المفكر الألماني أولريش بيك.

لكن ليس هذا وحده منبع الصعوبة، وإنما لأن هناك من رأى أصلًا أننا لم ندخل حقبة ما بعد الحداثة إلى الآن، ناهيك عن القائلين بأن الحداثة لا يمكن تخطيها أو اجتيازها، فالتقدم فيها خطي، وبالتالي لا وجود ولا مكان في التاريخ لأي شيء يمكن دعوته بـ «ما بعد الحداثة».

فهذا جيل ليبوفتسكي يقول معبرًا عن هذا الرأي:

«غير أن المسألة كلها تكمن في معرفة إذا ما كان المصطلح الجديد “ما بعد الحديث” مؤسسًا حقًا لفهم الحقبة التاريخية المعاصرة… نحن لا نعتقد ذلك إطلاقًا؛ فكل شيء يشير على النقيض إلى تخطي عتبة جديدة من الحداثة، قرب نهاية السبعينيات، لكن بعيدًا عن أي تخطي من أي نوع للحداثة يحيل هذا التخطي على نحو جوهري إلى حداثة أخرى، حداثة مكبرة أو تفضيلية». (شاشة العالم، ليبوفتسكي، ص 52).

اقرأ أيضًا: العمل الحر في مواجهة المخاطر الاقتصادية

سمات عصر ما بعد الحداثة

وتلك بطبيعة الحال جدالات نظرية من العسير الوصول فيها إلى قول فصل، كما أنها لن تعيننا في العثور على خيط ناظم يربط بين ما بعد الحداثة وريادة الأعمال؛ ولذلك وغيره سنعمد إلى محاولات تحديد سمات هذا العصر.

فهذا هو المفكر اللبناني علي حرب يقول، واصفًا هذا العصر، في كتابه: «الحداثة الفائقة»:

هذا العصر «عنوان عريض لزمن متعدد ومركب تندرج تحته مختلف الموجات والطفرات والتحولات التقنية والحضارية والاجتماعية والثقافية التي تصوغ الحياة المعاصرة وتشكل المشهد الكوني: الزمن المتسارع والمكان المفتوح، الإنسان الرقمي والفاعل الميديائي، الاقتصاد الإلكتروني والعمل الافتراضي، البداوة الجديدة والجنسية المتعددة، والهويات الهجينة والثقافة العابرة، القيم المتحركة والمهام المتعددة، الأجهزة المتحكمة والنصوص الفائقة، انكسار النماذج وتشظي المراكز، انهيار اليقينيات والمقدسات والمطلقات، نظام المخاطر وحالة الطوارئ، لغة التداول والتحول والشراكة» (علي حرب، الحداثة الفائقة، ص 212:213).

ويزيدنا علي حرب من الشعر بيتًا فيقول:

«عصر متعدد اللغات والمجالات، متراكب الأنظمة والمستويات؛ إذ هو متسارع بقدر ما هو إلكتروني، وهو رقمي بقدر ما هو تقني، وأخيرًا هو كوكبي لأنه يصدّع الحواجز بين الدول والمجتمعات، بقدر ما يفتح الحدود بين البشر، ليس فقط الاقتصادية والمالية، بل أيضًا المعرفية والرمزية والخُلقية والأمنية، الأمر الذي يحول الكرة الأرضية إلى سوق مالية واحدة، وإلى قرية إعلامية مشتركة، بل إلى مجال أمني واحد» (علي حرب، الحداثة الفائقة، ص 199).

هذه إذًا هي معالم وسمات هذا العصر ما بعد الحداثي، والمؤكد أن كل هذه السمات تحيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى ريادة الأعمال؛ فمن شأن هذه التحولات بعد الحداثية أن تقدم أو تنطوي على فرص لرواد الأعمال إن هم أحسنوا استغلالها.

اقرأ أيضًا: استراتيجيات الثراء.. كيف تصبح من أصحاب الملايين؟

ما بعد الحداثة وريادة الأعمال

الرأسمالية المتأخرة واختراع ريادة الأعمال

ليس من الممكن فهم العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى ظهور ريادة الأعمال من دون فهم حركة الرأسمالية ذاتها؛ ذلك لأن ريادة الأعمال لا تعدو كونها تجليًا من تجليات الرأسمالية.

لكن، والحق يقال، ليست رأسمالية القرن السابع عشر هي التي أنتجت مفهوم وفلسفة ريادة الأعمال، وإنما نحن إزاء نمط آخر من الرأسمالية تصالحت الأدبيات النظرية على تسميته «الرأسمالية المتأخرة».

وهو نموذج مختلف كل الاختلاف عن تلك الرأسمالية التي كانت قائمة على المنافسة في المقام الأول، وإنما هو مبنٍ على فكرة التبدل والتغير الدائم، أو على الأقل يحاول الاستفادة منه.

فهذا بول فاليري يعبر أدق تعبير عن هذه الفكرة؛ حيث يقول:

«… لم يعد بوسعنا أن نطيق أي شيء يدوم … ».

هذا الملل هو الدافع الأساسي وراء التغيير، وهو ذاته الذي التقطته ريادة الأعمال وحاولت الاستفادة منه وتطويعه لصالحها، ففي مجتمع مصاب أفراده بالملل تبدو المشاريع الترفيهية مناجم ذهب.

ومن زاوية أخرى يمكن القول إن الرأسمالية المتأخرة اخترعت ريادة الأعمال، كما اخترعت المسؤولية الاجتماعية؛ رغبة منها في القفز إلى الأمام، وفي العثور على حلول لمشكلاتها المركبة، فمن المعلوم أن الرأسمالية نظام يقوم على التناقضات، لكنها جد ماهرة في الجمع بين هذه المتناقضات والتوليف بينها، والخروج بـ «براديجمات paradigm» نظرية جديدة.

اقرأ أيضًا: أشهر مليارديرات العالم.. أغلبهم بدأ من الصفر

عولمة العالم وابتكار الفرص

ومن المفاهيم المتضافرة مع مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة مفهو العولمة؛ حيث عملت الحداثة وما بعد الحداثة أيضًا على تغيير مفاهيم الزمن، المكان، المسافة، ولهذا كان مع باومان الحق حين قال:

«الحداثة هي الزمن متى كان للزمن تاريخ» (باومان، الحداثة السائلة، ص 173).

واهتمت ما بعد الحداثة كذلك بالمكان وحاولت الاستحواذ عليه واستعماره، والتقدم فيها كان «زيادة حجم واتساع مكان» باومان، الحداثة السائلة، ص 178).

والزمن في عصر ما بعد الحداثة صار أكثر قدرة على التهام المكان، يمكنك الآن التجول فوق العالم كله بالطائرة في بضعة أيام، كان هذا محالًا فيما مضى؛ إذ كان الزمن أقل قدرة على استيعاب المكان والتهامه.

هذا الطرح يقودنا إلى أن تحويل العالم ليكون قرية صغيرة أسهم، إن بطريقة أو بأخرى، إلى تعميم مبدأ الفرص، أو إخراجها بعيدًا عن حدودها المحلية؛ فصار بإمكان رواد الأعمال في أي بقعة من بقاع المعمورة استكشاف الفرص الموجودة في أي مكان، بل استغلالها والاستفادة منها.

وقد قال زيجمونت باومان معبرًا عن هذا المعنى:

«ألم يكن المكان مجرد ضحية أولى للاندفاع الجنوني للزمن نحو إفناء نفسه وانتحاره» (باومان، الحداثة السائلة، ص 182).

وذلك لأن الثورة الهائلة التي حدثت على صعيد الاتصال والمواصلات سهلت من هذه المسألة، وجعلت بإمكان رواد الأعمال جني ثمار فرص من الفرص، وهذا هو الجانب المضيء للعولمة.

وبعيدًا عن هذا فإن عولمة العالم تلك سهّلت انتقال رؤوس الأموال عبر البلدان المختلفة:

«فظاهرة العمل اللاجسدي التي ظهرت في عصر البرمجيات لا تقيد رأس المال بل تمكنه من أن ينتقل خارج حدود الدول، وأن ينعم بالمرونة والحرية» (باومان، الحداثة السائلة، ص 185).

اقرأ أيضًا: رائد الأعمال الفنان.. عبور الحد الفاصل بين الفن والريادة

ما بعد الحداثة وريادة الأعمال

صبغة المجتمع بعد الحداثي وتغير أنماط الإنتاج

وأظهرت سمات المجتمع بعد الحداثي أنه غيّر من أنماط الإنتاج؛ فتلك الأنماط التي تحدث عنها كارل ماركس _قبل قرون خلت_ لم يعد لها من وجود الآن؛ فالسلعة الأساسية هي المعلومات.

«ولا مراء أيضًا أن لهذا التغير في نمط الإنتاج والاتصال والتداول، كما يتمثل في الانتقال من الإنتاج الميكانيكي والسلع الثقيلة إلى الإنتاج الإلكتروني والسلع الافتراضية، إنما يترك أثره القوي على مختلف وجوه النشاط البشري، كما على بنية الثقافة ومنتجاتها وعلى مكانة النخب الثقافية ومهماتها» (علي حرب، الحداثة الفائقة، ص 199).

لكن هذا التغير في أنماط الإنتاج فتح مطلات جديدة أمام رواد الأعمال؛ إذ إنه فتح الآفاق أمامهم، ومن هذه الزاوية يمكن الإشارة إلى البعد الإيجابي للتحولات الراهنة، وهي ذاتها أيضًا الزاوية _من بين عدة زوايا أخرى_ التي يمكن من خلالها إيجاد رابطة وشيجة بين ريادة الأعمال وما بعد الحداثة.

اقرأ أيضًا:

تطورات عملة البيتكوين.. تاريخ مضطرب

أشهر النصائح من أثرياء العالم.. فرصتك الأولى لتحقيق النجاح

نصائح الأميرة ريما بنت بندر لرائدات الأعمال.. فرص النجاح للمرأة

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

كيف تثقف نفسك في ريادة الأعمال

كيف تثقف نفسك في ريادة الأعمال؟.. استراتيجية التفوق الريادي

لا يُمكن أن يغطي تعليمك الحالي جميع الكفاءات اللازمة لتمكينك من بدء عمل تجاري وإدارته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.