مؤسساتنا ما بين الاستقرار والتغيير

غالبًا ما يصعب التعامل مع مفهوم الاستقرار في عالم متجدد، فأيديلوجية الاستقرار تعني الثبات والتوازن، مع عدم إغفال ارتباط تنافسية المؤسسات بمفاهيم ديناميكية، تنعكس على مستوى إنتاجيتها؛ أما فقدان الحالة المستقرة فيعني أنَّ مجتمعاتنا بجميع مؤسساتها في عمليات تنافسية وتحول مستمر، فلا يمكننا أن نتوقع مؤسسات مستقرة، تستمر في هذا العالم المتحول، سواء على مستوى قطاع المال والأعمال، أو على مستوى القطاع العام.

تأثير مستدام
وعليه، يجب أن نتعلم فهم هذه التحولات وتوجيهها؛ من أجل إدارتها وخلق تأثير مستدام، بل يجب أن نتجاوز ذلك لنجعل القدرة على القيام بها جزءًا لا يتجزأ من أنفسنا ومؤسساتنا؛ كثقافة عمل وفلسفة حياة.

ولا شك في أنَّ إسقاط هذا الأمر على علم الكيمياء يقودنا إلى إدراك أنَّ الذرة المستقرة تعني الخمول، بينما تتمتع الذرة- ذات الحراك الإلكتروني- بحالة نشاط كيميائي؛ وبالتالي تزيد قيمتها الإنتاجية.

لقد شغل هذا الأمر، أروقة علماء الإدارة والاقتصاد، فقدموا نظريات التي تفسر هذا المكنون، انطلاقًا من نظريات آدم سميت الذي كان يدعو إلى تقسيم العمل وتخصيصه، ثم النظريات النيوكلاسيكية التي ركزت على رأس المال المادي والبنية التحتية، حتى نظريات الاقتصاد الحديثة التي اهتمت بمبدأ التعلم داخل المؤسسات وفي نطاق مجتمعها، والتطور التكنولوجي، وكفاءة الإدارة وفعاليات أعمالها.

مؤشرات محددة
وحتى لا يكون الاستقرار موضوعًا جدليًّا، ومزايدة إعلامية، فقد سعى علماء الإدارة والاقتصاد نحو بناء معايير بمؤشرات محددة، تقيس درجة استقرار وتوزان النظم الدولية؛ مثل معايير التنافسية العالمية، ومعايير المعهد العالمي للتنمية الإدارية.

عوامل مؤثرة
وإذا ما أسقطنا هذا النسيج المعرفي على مؤسساتنا، وجدنا كثيرًا من العوامل المؤثرة على مستوى إنتاجية وتنافسية المؤسسات، عكست واقع التميز في إدارة تلك المؤسسات بالمملكة العربية السعودية، والتي حققت من خلاله تقدمًا بارزًا في مؤشرات التنافسية العالمية 2019، ومؤشر المعهد الدولي للتنمية الإدارية، بما يُشار له بالبنان في: كفاءة قطاع الأعمال، والكفاءة الحكومية، والأداء الاقتصادي، والبنية التحتية.

وهذا يعني، أنَّ هناك نكهة قوية للتعلم التنظيمي على مستوى علم التعليم والتعلم داخل مؤسساتنا؛ حيث تتخذ من حلقات التغذية الراجعة صلة ديناميكية لديمومة التنافسية، بما يقود هذا التميز إلى التفكير التأملي في قيادة التعلم التنظيمي على مستوى ريادة الأعمال، بل ينبغي أن يكون ضمن نطاق هوية مؤسساتنا على مستوى مجالسها الإشرافية والتنفيذية.

ديمومة التنافسية
وحتى نحقق ديمومة التنافسية، ينبغي أن نتجاوز حدود التحويل السطحي لمؤسساتنا، والتعامل مع التغييرات المضطردة إلى إيجاد فلسفة تنظيمية، يٌستنبت من خلالها التكيُّف المرِن داخل نطاق التنظيم؛ استجابةً لتغيير المواقف والمتطلبات الحيوية، كما يجب علينا اختراع وتطوير المؤسسات لتصبح أنظمة للتعلم؛ لتكون قادرة على إحداث التحول المستمر المتعلق بأنشطتها وأعمالها، وبما يرفع من قدرتها التنافسية.

تأسيسًا على ما سبق، هل نستطيع التفكير في كيفية تحويل مؤسساتنا لنظم تعلم، تحقق التوازن المرغوب، والتغيير الواسع المطلوب، والأداء الفعَّال؟، وهل سيقودنا الأمل إلى الحاجة لأنظمة التعلم اللامركزية، التي يصل صداها لمستوى صنع القرار؛ لتتعلم مؤسساتنا ذات الأداء المنخفض من ذات المؤسسة التي كان صداها مؤثرًا في رفع مؤشر التنافسية، داخل مستوى النشاط؛ مثل: قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أو في مجال البنى التحتية كالطرق مثلًا، أو في قطاع التعليم المعني بالاستثمار في رأس المال البشري؟!

الرابط المختصر :

عن د. خالد بن حسين العسيري

استشاري التخطيط والمؤشرات الاستراتيجية · دكتوراه الفلسفة في الإدارة التربوية والتخطيط من جامعة أم القرى عام 2016م · المدير التنفيذي لمبادرة التحول الوطني 2020(تطوير استراتيجية وطنية لرفع قيمة مهنة التعليم). · مدير تنفيذي لمبادرة برنامج التحول الوطني "تطوير استراتيجية وطنية لرفع قيمة مهنة التعليم" إحدى برامج رؤية 2030. · أمين تطوير برامج إعداد المعلم بالجامعات السعودية · مدير إدارة مكاتب التعليم بوكالة وزارة التعليم السعودية · عضو استشاري في فريق عمل لجنة تخطيط التعليم الأهلي بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض عام 2017. · حصل على برنامج مكثف في تصميم برامج الدراسات العليا من كلية الدراسات العليا التربوية بجامعة هارفارد كامبردج بولاية ماساتشوستس الأمريكية. · حصل على برنامج بناء المؤشرات الاستراتيجية من جامعة جورج واشنطن. · ترأس العديد من اللجان والمشروعات التعليمية بوزارة التعليم أبرزها رئيس اللجنة الوزارية لمشروع التقويم الهرمي المتنوع للقيادات الإدارية التربوية. · خبير تربوي بالمركز التربوي للتنمية المهنية بوكالة الشؤون التعليمية بجامعة الملك سعود لعام 2017. · عضو اللجنة المركزية الوزارية لتخطيط استراتيجية التنمية المهنية للمعلمين. · عضو لجنة تحكيم الأدلة المهنية بمكتب التربية العربي لدول الخليج. · عضو تأسيس اللجنة الفرعية لمشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير التعليم. · عضو إعداد الخطة الاستراتيجية لتطوير الشبكات العالمية لبرنامج جلوب بكندا لعام 2010م. · عضو لجنة بناء المعايير المهنية للقيادات المدرسية بالمركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي عامي (2016) و (2017). عضو لجنة تحكيم الكفايات المهنية للقيادات المدرسية بالمركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي عامي (2016) و (2017).

شاهد أيضاً

مُدراء الجامعات: اليوم الوطني.. ملحمة تشهد بكفاح الأجداد وعرفان الأحفاد

كل عام ووطني الغالي بخير

يصادف هذا اليوم 23 من سبتمبر، الذكرى 89 لتوحيد وطني الغالي؛ المملكة العربية السعودية على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.