سوق عمل قاسٍ، حيث يبدو أن الجميع متعطشون للفرص ولا أحد يجد لها مكاناً. يتطلع كل من أصحاب العمل والباحثين عن وظائف إلى تغيير جذري. ولكن كلما تغيرت قواعد اللعبة، لا بد أن يظهر رابحون وخاسرون جدد.
السيرة الذاتية
لأكثر من عقد من الزمان، اتخذت أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقيّم السير الذاتية قرارات متحيزة، مفضلةً المرشحين الذكور أو المتقدمين الذين تمت رؤيتهم في المراحل الأولى من عملية التوظيف.
وقد اشتكى كل من مسؤولي التوظيف والباحثين عن عمل من الرسائل المولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، والتي تغرق برامج قراءة السير الذاتية الآلية.

ويغرق هذا الأسلوب مسؤولي التوظيف بسيل من المتقدمين غير المؤهلين، ويحبط الباحثين عن عمل الذين ظلوا يبحثون عن وظيفة لأشهر.
ومع ازدياد صعوبة سوق العمل بعد عام 2022، تفاقمت المشكلة. فقد أدت عمليات التسريح الجماعي في قطاع التكنولوجيا إلى تحويل ميزان القوى من سوق العمل إلى سوق أصحاب العمل.
ولم يعد من الممكن للعديد من مسؤولي التوظيف مراجعة جميع الطلبات الواردة. كما تقول ستيفاني ألستون، الرئيسة التنفيذية لشركة التوظيف BGG Enterprises.
الذكاء الاصطناعي والسيرة الذاتية
بدأ مهندسو البرمجيات باستخدام الذكاء الاصطناعي للغش في اختبارات البرمجة. ما دفع مديري التوظيف إلى ابتكار طرق جديدة لتقييم المرشحين.
ويأتي ذلك إدراكًا لمدى سهولة التقدم لوظيفة وكيف أصبح ذلك مشكلة بدلاً من أن يكون ميزة دائمًا.
وبدأ موقع LinkedIn في استخدام الذكاء الاصطناعي لمقارنة الملفات الشخصية وأوصاف الوظائف. ما يشجع الأشخاص على التقدم للوظائف التي قد يكونون أكثر ملاءمة لها، بدلاً من اتباع النصيحة المهنية القديمة المتمثلة في مجرد تقديم طلب.
“لا نطلب سيرة ذاتية، ولا نتوقعها”، هذا ما جاء في إعلان وظيفة مهندس برمجيات في شركة أوتوماتيك.
في الوقت نفسه يتجه مسؤولو التوظيف بشكل متزايد إلى البحث النشط عن المرشحين من خلال لينكدإن أو شبكاتهم الشخصية. بدلاً من الاعتماد على بوابات التقديم الإلكترونية. يقول ألستون: “هناك إحباط كبير لدى الطرفين، وأتساءل متى سينهار كل هذا”.
أدى تضخيم السير الذاتية وتعديلها إلى انهيار الثقة بين أصحاب العمل والباحثين عن عمل.
في حين إن المشكلة الآن أنه لا يمكنك الاعتماد على السير الذاتية لمعرفة ما إذا كان الشخص بارعاً في عمله.
ألهم هذا الإحباط شركته الناشئة الجديدة، “فامو”، التي تبحث في منصة “جيت هاب” للعثور على مطوري برامج أنجزوا مشاريع مشابهة لما تحتاجه الشركة.
من جانبها تقول جيه تي أودونيل، مؤسسة منصة “وورك إت ديلي” للتوجيه المهني، إن عرض المهارات بدلاً من سردها قد يصبح هو الوضع الطبيعي الجديد. حتى خارج المجالات التقنية.
التوظيف الهادئ
في حين تتجه الشركات نحو التخلي عن نشر الوظائف على مواقع التوظيف، وتفضل بدلاً من ذلك الترقيات الداخلية أو تكليف مسؤولي التوظيف بالتواصل المباشر مع المرشحين في المجالات التي يفوق فيها عدد المتقدمين عدد الوظائف الشاغرة بكثير.
وتصف أودونيل هذا التوجه بـ”التوظيف الهادئ”، وتقول إنه لتحقيق النجاح، يتعين على الباحثين عن عمل تسويق أنفسهم من خلال نشر مشاريعهم وأفكارهم على لينكدإن.
وتعتقد أودونيل أن نشر مقاطع الفيديو سيصبح وسيلة أساسية لعرض المعرفة والشخصية، وإظهار الجانب الإنساني.
أيضًا تضيف: “عندما تتحدث عن مجال عملك ومهاراتك، فأنت في الواقع تُغذي قاعدة البيانات ليتمكن مسؤولو التوظيف من العثور عليك في عصر التوظيف الهادئ، وهنا سنشهد تحولاً كبيراً في كيفية توظيف الناس”.
لاحظت لينكدإن هذا التغيير أيضاً. فقد أعلنت الشركة عن ميزة جديدة للباحثين عن عمل للتحقق من المهارات المدرجة في ملفاتهم الشخصية.
وتعاون الموقع مع أدوات الذكاء الاصطناعي مثل Descript وLovable وReplit لتأكيد كفاءة الشخص بناءً على كيفية استخدامه الفعلي لهذه الأدوات. مستخدماً الذكاء الاصطناعي لتقييم مدى إتقانه لها.
عن هذا يقول بات ويلان، مدير المنتجات في لينكدإن: “هناك تحولٌ يحدث من الاعتماد على مؤشرات سطحية كالألقاب أو الكلمات المفتاحية إلى أدلة أعمق على القدرات”.
ويضيف: “لا تزال السيرة الذاتية مؤشراً مفيداً، لكنها ليست سوى مؤشر واحد. يرغب أصحاب العمل في معرفة مستوى أعلى من التفاصيل، مثل المشاريع التي عملت عليها، والمهارات التي اكتسبتها، وسياق خبرتك ونطاقها”.
أخيرًا ليس لدى الجميع سيرة ذاتية مميزة. قد يفتح اعتماد المهارات في قرارات التوظيف أبوابًا أمام مرشحين تم تجاهلهم سابقًا، ولكن ربما لا ينشر أفضل الموظفين أعمالهم على الإنترنت.
المصدر: businessinsider.


