الاستقلال الشخصي

كيف تصل إلى مرحلة الاستقلال الشخصي؟

لا تبحث عن أتباع ولا عن مؤيدين، فالإنسان الحقيقي مستقل بذاته، نسيج وحده، والوصول إلى الاستقلال الشخصي التام أمله ومبتغاه، لكن المؤسف أن أغلب الناس، وفقًا لإيشا جود؛ مؤلفة كتابي Love Has Wings وWhy Walk when You Can Fly، يحيون معتمدين على الآخرين، سواء كان هؤلاء الآخرين أصدقاءهم أو آباءهم أو مدراءهم في العمل.

وليس هذا غريبًا ولا بمستبعد؛ فالاعتماد على الآخرين هو الطريق الأسهل، كما أن «ولادة الذات» _وهذا هو الاسم الثاني المرادف لمفهوم الاستقلال الشخصي_ أمر عسير جدًا. من السهل جدًا أن أعتمد على الآخرين وأتبنى آراءهم وتصوراتهم من أن أصنع أفكاري وتوجهاتي بنفسي.

لكن الإنسان، الحقيق بهذا الوصف، يأبى هذا وتعافه نفسه؛ فهو يعتمد على نفسه، ويكوّن آراءه اعتمادًا على تجاربه وخبراته.

كان راينر ماريا ريلكة؛ الشاعر الألماني الفذ، يرى أن الحياة حبة جوز غير مُقشرة عليك كسر قشرتها، والعثور على ماهيتها بنفسك دون معونة أحد، هكذا ستكون إنسانًا كاملًا، حقيقيًا، وهكذا أيضًا سوف تصل إلى مرحلة الاستقلال الشخصي.

الحياة، من منظور قريب من منظور «ريلكة»، كتاب، عليك أن تؤلفه بنفسك، ليس خليقًا بك أن تعيش في جلد أحد، ولا أن تدعو أحدًا ليسطر لك قوانين وقواعد حياتك.
لكن، واسمح لي بأن أكون صريحًا معك، الاستقلال الشخصي ليس هبة معطاة ولا مجانية، ستضطر إلى خوض غمار الكثير من المعارك والصدامات كيما تتمكن من حماية حدودك، ومن أن تكون نفسك، لا أحد يحب المستقلين بأنفسهم، خاصة التابعين، الذين يعزفون على لحن غير لحنهم؛ فهؤلاء المتمتعون بالاستقلال الشخصي يُشعرونهم بالعجز والضآلة.

اقرأ أيضًا: أهمية التعلم الدائم.. ضرورة العصر الحديث

الاستقلال الشخصي

سأفترض الآن أنك مستعد لخوض المعارك الجمة من أجل الوصول إلى مرحلة الاستقلال الشخصي؛ لكنك تدرك، في الوقت ذاته، أن استعدادك مهم لكنه ليس كافيًا، وربما ثار في ذهنك سؤال عن سبل الوصول إلى مرحلة الاستقلال الشخصي؟ لا تقلق، ففي «رواد الأعمال» دومًا ستجد ضالتك، إليك الطريق إذًا.

  • اعرف نفسك

حسنًا، لعلك تظن هذه النصيحة _اعرف نفسك_ مألوفة، ولا جدوى من تكرارها، أوافقك، فهي متداولة منذ عصر «سقراط» لكن مَن مِن الناس قام بها حقًا؟ مَن تمكن من سبر أغوار نفسه، ومعرفتها عن كثب؟!

قليل من الناس من فعل ذلك، لكنه ليس منطقيًا أن تسعى إلى الاستقلال الشخصي من دون أن تعرف نفسك في البداية، كيف تحاول تمييز نفسك وأنت لم تعرف نفسك بعد، ولا أفكارك الحقيقية وآراءك؟!

معرفة الذات ليس بالأمر الميسور، ولا هو بالحادث بين عشية أو ضحاها، بل ستحتاج بعد كل موقف إلى أن تسأل نفسك: هل عبّرت عما أريد حقًا؟ هل قلت ما أنا مقتنع به بالفعل؟ إذا لم تكن الإجابة بالإيجاب فأنصحك بوقفة حاسمة مع نفسك، فالكذب على الذات والعيش في برك الزيف الآسنة لن يوصلك إلى شيء، ولن تنعم براحة الضمير أبدًا.

وإن عرفت نفسك حقًا فالخطوة اللاحقة هي أن تتقبلها، تقبل شكلك، جسدك، تصوراتك، اختياراتك، طريقتك في التحدث وفي التعاطي مع العالم والأشياء، لا تنصع لأحد، ولا تقتفي أثر أحد، كن نفسك وتقبل نفسك، هكذا ستضع قدميك على أولى درجات الاستقلال الشخصي التام.

اقرأ أيضًا: فخ الكمال.. لماذا لا يجب أن تكون مثاليًا؟

  • حاكم تصوراتك

الذين يتمتعون بالاستقلال الشخصي لا يكفون عن محاكمة منطقهم، ومساءلة تصوراتهم، إنهم دائمو النقد والمساءلة لأنفسم قبل الآخرين. كثير من آرائنا وتصوراتنا معتادة لدرجة أننا نتصور أنها بديهيات، ولا نكلف أنفسنا عناء التفكير فيها، وإخضاعها للفحص المنطقي والتفكير.

وإنما تنبع أهمية محاكمة التصورات والآراء السائدة تلك، من أنها تنفض عنك ما ليس لك من آراء وتصورات، وتضعك على الطريق الخاص بك وحدك. هي جادة غير مألوفة ولا مطروقة، لكن الناجي لا يضره كثرة الهلكى.

البيئات التي تعمل أو تعيش فيها تشكّل وعيك _هناك ما يمكن تسميته «العدوى الاجتماعية»، وقال ابن خلدون من قبل: «إن المغلوب مولع بتقليد الغالب»_ وتصنع معارفك وخبراتك، لكن هذا ليس لك، لا يخصك، إنها آراء تنتمي لغيرك، ومن ثم عليك العثور على أفكارك أنت، رؤاك أنت، تصوراتك أنت، عليك أن تكون من أنت.

اقرأ أيضًا: الفرق بين التملق والاحترام

  • المستقلون حازمون

الآن أنت تريد الوصول إلى الاستقلال الشخصي، لكنك، ومن أجل تحقيق ذلك، بحاجة إلى أن تكون حازمًا، ولديك من الجرأة والجسارة ما يمكّنك من رفض كل ما لا ينتمي إليك أو يخصك.

والحزم أيضًا يساعدك في الإفصاح عن رأيك وتصوراتك والدفاع عنها، فالأقوياء والمستقلون يرددون مع الفيلسوف الألماني الراحل فريدريك نيتشه:

«قل كلمتك وتحطم».

لكن ها هنا أمر خطير، زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام؛ فليس معنى أني أقول لك “كن حازمًا في الدفاع عن رأيك” أني أطالبك بأن تكون متعصبًا، أو تكّون نظرة قاصرة عن العالم والحياة، بل، على الضد من ذلك، ندعوك للانخراط مع الآخرين ومناقشة أفكارهم، والتداول الحر للآراء والأفكار معهم؛ فالحزم قوة وليس هروبًا من ميدان المساجلة، وهي أيضًا قوة التخلي عن كل ما هو غير صالح من الأفكار وما لا يستقيم مع المنطق.

الاستقلال الشخصي

اقرأ أيضًا: مفاتيح السعادة العملية.. تخلص من الفوضى

  • قرارات خاصة

الآن أتينا إلى أعثر الخطوات، إلى العيش كما أنت، أن تُظهر للعالم ما تُظهره لنفسك، ليس هذا سهلًا، وغالبًا سيرفض الناس طريقة وجودك ونمط عيشك، خاصة إذا لم تكن تعزف على لحن جماعي عام.

لكن لا تغتر بالكثرة الهادرة، الاستقلال الشخصي، من حيث الأصل، رغبة في الفكاك من أُسار كل ما هو عام ومألوف، رغبة في التخلي عن النسق، بل حتى في الخروج عن هذا النسق وتدميره. لو فعلت ذلك ستكون وصلت إلى الاستقلال الشخصي التام، ووقتها ستتلون الحياة بلون مختلف.

اقرأ أيضًا:

صفات الموظف المتنمر.. كيف تتجنبه في العمل؟

مخاطر ممارسة اليقظة الذهنية في العمل

أهمية التنوع الثقافي والاستفادة منه

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

حياتك بعد سن الثلاثين

كيف تخطط لحياتك بعد سن الثلاثين؟

لن تمضي حياتك بعد سن الثلاثين كما كانت قبل ذلك، ولا يجب أن يكون الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.