كورونا والثورة الرقمية

كورونا.. والثورة الرقمية

أصبح فيروس كورونا – الذي انطلق من الصين، وأصاب الدول الصناعية الاقتصادية المتقدمة، ودول العالم النامية- تهديدًا مباشرًا لتقدم الإنسانية؛ إذ أجبر أكثر من 3 مليارات شخص على ملازمة بيوتهم.

وأدت الجائحة إلى بداية الانهيار التدريجي للاقتصاد العالمي وانكماشه، وربما دخول في حالة كساد، خاصة النظام الرأسمالي، واندلاع حروب تجارية واقتصادية مباشرة وغير مباشرة لزعامة العالم بين أمريكا والصين من ناحية؛ بامتلاك التكنولوجيا الذكية وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، وخاصة الذكاء الصناعي، وإنترنت الأشياء، وتكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات 5G، وبين أمريكا وروسيا والاتحاد الأوربي من ناحية أخرى، وعدم قدرة أنظمة التأمين الصحي العالمية المتقدمة على مواجهة سرعة انتشار الفيروس؛ بسبب الخصخصة، وإسناد إدارتها بالكامل إلى شركات القطاع الخاص التي عجزت عن مواجهة الأزمة؛ كون هدفها الأول هو الربح.

الآثار الاقتصادية لأزمة كورونا

من الصعب جدًا رصد الخسائر والأضرار الاقتصادية اليومية أو حتى التنبؤ بها، في ظل ارتفاع نسبة التضخم، وارتفاع نسبة الدين العام لمعظم دول العالم، والذي يشكل تغييرًا في الخريطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العالمية، وربما تشكيل نظام عالمي جديد.

وحسنًا فعل صندوق النقد الدولي؛ بدعوته إلى تجميد ديون الدول الفقيرة، وتقديم الدعم للدول النامية، في ظل توقعاته بانخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 2.9% عام 2019م إلى 1.5% عام 2020م؛ وذلك لتوقف حركة الانتقال والسفر والسياحة، وإغلاق المراكز التجارية، وتراجع نقل البضائع والتجارة عالميًا، وانهيار أسواق المال والبورصات العالمية، وتأثر أسعار الذهب والبترول، وتوقف خطط التنمية المستدامة والشاملة في معظم دول العالم؛ ما يؤثر مباشرةً على انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي؛ وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة.

السياحة والطيران

تشير بعض الدراسات إلى أن أكثر القطاعات تضررًا – والتي سوف تتأثر على المدى المتوسط – هي قطاعات السفر والسياحة والطيران والنقل والخدمات المالية، يليها قطاعات الصناعات التحويلية التي سوف تتأثر على المدى المتوسط والطويل؛ لتوقف إمدادات المواد الخام والمواد المغذية؛ نتيجة حظر النقل.

قمة استثنائية طارئة

ولأول مرة تنعقد قمة استثنائية طارئة افتراضية لمجموعة العشرين (G20) ؛ عبر الفيديو كونفرانس برئاسة السعودية؛ لتنسيق الجهود لمكافحة فيروس كورونا والحد من تأثيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والعمل المشترك لإعادة تشغيل الاقتصاد العالمي، والتوصل لعلاج ولقاحات له، وإعادة بث الثقة في الاقتصاد العالمي؛ من خلال التدفق الطبيعي لسلاسل السلع والخدمات في أسرع وقت، وخاصة الإمدادات الطبية.

وتعهد المجتمعون بضخ 5 تريليون دولار كجزء من السياسات المالية والتدابير الاقتصادية العالمية، وخطط الضمان المستهدفة؛ لتقديم حزم تحفيزية وتدابير احترازية وسياسات قطاعية وإجراءات لحماية الموظفين.

وتمثل مجموعة العشرين حوالي 80% من الناتج الاقتصادي العالمي، وثلث سكان العالم و75% من حجم التجارة العالمية.

كورونا والثورة الرقمية

مبادرات التحول الرقمي

لهذا ظهرت الحاجة الملحة لاستغلال الفرص المتاحة إلى الإسراع في تطبيق مبادرات ومشروعات وخطط التحول الرقمي للحكومات ومؤسسات وشركات القطاع العام والخاص؛ لتقديم الخدمات للمتعاملين بطرق إلكترونية مختلفة عن بعد؛ ما يتيح للموظفين العمل عن بعد، ويتيح للمواطنين الحصول على الخدمات والدفع عبر بوابات الدفع الإلكتروني، دون الذهاب للجهات المقدمة للخدمات، مع تطبيق الشمول المالي، وتطبيقات التكنولوجيا المالية؛ إذ تجاوزت ميزانيات التحول الرقمي وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات عالميًا- سواء للحكومات والمؤسسات أو الشركات العامة والخاصة حوالي 1.18 تريليون دولار عام 2019م.

وتشير الدراسات أن ذلك يوفر حوالي 90% من استهلاك الطاقة، ويخفض نسبة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 85% للحفاظ على البيئة الخضراء، وفق رؤية أهداف استراتيجية الأمم المتحدة 2030م للتنمية المستدامة.

التعليم عن بعد

لقد ساهمت التكنولوجيا الذكية في عدم انتشار فيروس كورونا المستجد بين طلاب المدارس والجامعات والهيئات التدريسية والإدارية؛ بصدور قرارات توقف العمل والدراسة في المدارس والجامعات مؤقتًا في معظم دول العالم؛ ما دفع معظم دول العالم إلى الإسراع باستكمال تحديث وتطوير البنية التحتية التكنولوجية وتطبيقاتها المختلفة لمنظومة إدخال نظم التعليم التفاعلية الإلكترونية عن بعد؛ كحل تكنولوجي لاستكمال العام الدراسي عبر منصات التعليم الإلكتروني، واستخدام تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المعزز VR/AR وتعلم الألعاب، التي تساهم في تعليم عدد ضخم من الطلاب عن بعد بتكلفة قليلة نسبيًا.

ومنذ عام 2000م، زادت نسبة التعليم عن بعد عالميًا بحوالي 900%؛ إذ قُدِّر حجم سوق التعليم الإلكتروني وتطبيقاته ومنصاته بأكثر من 200 مليار دولار، يتوقع ارتفاعها إلى 325 مليار دولار عام 2025م، كما زادت نسبة التدريب الإلكتروني بشكلٍ كبير لموظفي المؤسسات والشركات؛ ما أدى إلى تقليل وقت التدريب بحوالي 40%- 60%؛ ما أدي إلى زيادة ساعات العمل وزيادة الإنتاجية بنسبة 30% وزيادة العائد على الاستثمار؛ إذ تشير الدراسات إلى أن كل دولار يُنفق على التدريب الإلكتروني لموظفي الشركات، يعود عليها بنحو 30 دولار نتيجة زيادة الإنتاج وجودته.

تجارب عالمية

لجأت الدول الصناعية الكبرى لاستخدام التكنولوجيا الذكية فيما يُعرف بالثورة الصناعية الرابعة، واستخدام التطبيقات الطبية عن بعد للكشف عن المريض، وتقديم العلاج، وتعميم الإرشادات الصحية والطبية؛ عبر المنصات والتطبيقات الذكية لأجهزة الجوال، ومواقع التواصل الاجتماعي، وتوصيل الدواء والمستلزمات الطبية وأدوات التعقيم؛ من خلال الطائرات المسيرة، التي تُستخدم أيضًا لرش وتعقيم المباني والمدن المحظور الدخول إليها، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الضخمة لعلوم مضادات الفيروسات؛ لمعرفة تحور فيروس كورونا، وسرعة إجراء الأبحاث لإنتاج الأمصال واللقاحات المضادة للفيروس طبقًا لبروتوكول منظمة الصحة العالمية WHO، وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA.

ولجأت معظم الحكومات والشركات إلى إلزام معظم الموظفين بالعمل عن بعد من المنزل، وعقد الاجتماعات عبر تقنية الفيديو كونفرانس؛ لتقليل التزاحم والحركة، وتفادي نقل عدوى الفيروس؛ إذ تشير الدراسات إلى أن العمل عن بعد يقلل ضغوط العمل عن الموظفين بنسبة 80%.

اقرأ أيضًا:

الأجهزة الطبية.. وآلية تسعيرها بألمانيا

محمد بن سلمان.. قائد التغيير وروح الشباب في السعودية الجديدة

جائحة كورونا.. والدروس الثمانية

الرابط المختصر :

عن عبدالوهاب غنيم

الدكتور عبدالوهاب غنيم نائب رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي مستشار تطوير الأعمال بكلية كامبردج الدولية- بريطانيا

شاهد أيضاً

شركة آيسر

شركة آيسر تضم أجهزة جديدة إلى خط إنتاج ConceptD

أزاحت شركة آيسر الستار عن مجموعة جديدة من الأجهزة المكتبية وأجهزة نوت بوك، وعدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.