كتاب The Power of Now

كتاب The Power of Now.. التنوير الروحي والمساعدة الذاتية

لا يغرد كتاب The Power of Now، لمؤلفه إيكهارت تول والمنشور عام 199 والذي حظي بنجاح كبير بفضل مساعدة أوبرا وينفري؛ بعيدًا عن سرب الكثير من الكتابات التي أشاحت النظر عن العالم الخارجي صراعاته ومشكلاته، وانكبت على الذات، وانزوت إلى الداخل.

ويندرج الكتاب أيضًا تحت مظلة تلك الكتب التي تحاول إعادة بعث الفلسفات الشرقية مثل البوذية والطاوية من مرقدها، والعمل على منحها بُعدًا راهنيًا معاصرًا، لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن كتاب The Power of Now يأخذ من الحاضر، الآني قبلة له، ومعتمدًا ليس في التحليل فحسب، وإنما في سعادتنا كذلك.

فالمؤلف يرى أن الماضي والمستقبل لا شأن لهما؛ الماضي ولّى والمستقبل غير موجود، وليس بيدنا إلا الحاضر، إلا اللحظة الراهنة، هي وحدها التي نملكها، وهي فقط التي يجب أن نركز عليها، معتبرًا أن الذات أسيرة الماضي والمرتعبة من المستقبل هي ذات زائفة؛ فالأسس التي تقوم عليها إما انمحت أو لم توجد بعد.

اقرأ أيضًا: كتاب «أغنى رجل في بابل».. الثراء على طريقة «أركاد»

الوجود الكامل والضوضاء العقلية

تأتي «قوة الآن» من أنها سبيل واضح للوصول إلى السكون الداخلي أو قل إن شئت «النرفانا»، لكن كيف ذلك؟ السبيل الأول لذلك هو الخلاص من الضوضاء العقلية، هنا يبدو كتاب The Power of Now محاربة واضحة ضد ماكينة العقل التي لا تهدأ ولا يقر لها قرار؛ فهدفه الأساسي، كما هو هدف البوذية وشتى الممارسات المتحدرة من الفلسفات الشرقية، هو الاستغراق التام في الحاضر، التفكير في اللحظة الراهنة، استملاكها التام.

وهذا الاستملاك التام للحظة الحاضرة هو السبيل، حسب المؤلف، للخلاص من الأفكار السلبية التي لا تكف عن التدفق إلى عقلك وإزعاجك.

وفي موضع آخر من الكتاب حين بدا إيكهارت تول وكأنه يائس أو غير واثق من قدرتنا على إيقاف ماكينات عقولنا والتغلب على الـ Overthinking نصحنا بأن نترك هذه الأفكار على حالها، ولا نفعل معها شيئًا، فقط نتأملها، نلاحظها.

وهي طريقة ذكية، وإن كانت تنم عن عدم ثقة فيما يطرحه؛ إذ هو يحاول أن يقيم بينك وبين الأفكار التي تخيفك جسرًا، أو حدًا فاصلًا، على أمل أن تتحول، في مرحلة لاحقة، إلى قاضٍ وحاكم على هذه الأفكار.

والسبيل الوحيد لـ «الوجود الكامل» أو «أبدية الوجود» _تلك هي كلمات المؤلف على أي حال التي تذكرنا بالتراث المسيحي والأفكار الصوفية المختلفة_ هو أن تلقي الماضي والمستقبل في فوهة العدم، وأن تستغرق كليًا في اللحظة الراهنة التي هي سريعة العبور والآيلة للزوال أبدًا.

يضع مؤلف كتاب The Power of Now وجودنا على المحك دون أن يدري؛ إذ ما أهمية امتلاك لحظة حاضرة لن تدوم؟! ثم أليس الماضي هو خزان تجاربنا ومنبع أفكارنا، صحيح أنه مضى، لكن نحن، تلك الذوات التي انصهرت في بوتقة الماضي الكبيرة، لم نزل أحياء، ولم تزل آثار الماضي منطبعة على أجسادنا وعلى جدران عقولنا وأرواحنا.

ثم هذا المستقبل كيف نسقطه من حساباتنا وهو لا يكف عن مهاجمتنا، المستقبل يبدأ دائمًا، ولا يكف عن البداية، وإذا لم نستعد له فكيف، يا ترى، سنحيا فيه؟!

اقرأ أيضًا: كتاب «قواعد السطوة».. أسس السيطرة الناعمة

تجربة الوجود

وفي نقلة أخرى، يغامر إيكهارت تول؛ مؤلف كتاب The Power of Now بطرح آخر: الوجود لا يعني التفكير، هو صادق في هذا، ومن دون الدخول في جدلية الفكر والواقع، ولا بأسبقية أيهما على الآخر؛ والهدف الذي يرمي إليه من هذا الطرح هو صدك عن الاستغراق في أفكارك حول الماضي والمستقبل، ودفعك إلى خوض غمار تجربة الحاضر، إلى الممارسة الفعلية، أو على الأقل تأمُل الحاضر كما هو.

والانخراط في التخطيط والقلق والحكم وشرح إطارات العالم كمكان للصراع والمشاكل يصنع نوعًا من الاضطراب العقلي، ووهم الانفصال؛ أي الانفصال بينك وبين العالم، بين الذات والآخر.

«كلما زادت قدرتك على احترام وقبول الآن تحررت من الألم والمعاناة، ومن العقل الأناني أيضًا».

اقرأ أيضًا: كتاب Nudge.. ثالوث التحيز والخطأ والاختيار

الحاضر هو الحقيقي

وفي كتاب The Power of Now استبصار لافت؛ فـ «إيكهارت تول» يربط بين الوقت والألم (وهي ملاحظة جيدة في الحقيقة)؛ إذ إن الألم الذي تشعر به، نفسيًا كان أم جسديًا، مرده _حسب المؤلف_ إلى الماضي والمستقبل، إلى آثار الماضي وتجاربه السلبية، والهلع من المستقبل.

وهو، كمحاولة منه لمساعدتك في تخطي المعضلة، ينصحك بالعيش في الوقت الحاضر، في اللحظة الآنية؛ أن تدرك أن الحاضر هو الحقيقي، هو ما بين أيدينا وما يمكنه العمل عليه، والألم منبعه العقل، خاصة ذاك الدفق الهائل من الأفكار المؤذية والسلبية، يقول المؤلف:

«يعيش كثير من الناس مع جلّاد في رؤوسهم يهاجمهم، ويعاقبهم باستمرار، ويستنزف طاقتهم الحيوية».

وفي النهاية، فإن كتاب إيكهارت تول يُقرأ على مهل؛ فالهدف منه الممارسة، والاستغراق التام في الحاضر، وهو أمر لن يحدث بين عشية أو ضحاها، لكنه يستحق المحاولة.

اقرأ أيضًا:

كتاب Creative Living.. دربك نحو السعادة

كتاب «خرافة ريادة الأعمال».. مراحل نضج الشركات

كتاب How to Win Friends and Influence People.. قواعد النجاح والتأثير

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

كتاب The Five Dysfunctions of a Team

كتاب The Five Dysfunctions of a Team.. لماذا لا تنجح فرق العمل؟

ينطلق Patrick Lencioni؛ مؤلف كتاب The Five Dysfunctions of a Team؛ من محاجة أساسية أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.