فيلم the social dilemma

فيلم the social dilemma.. هشاشة إنسان ليس لديه ما يفعل

يعيد فيلم the social dilemma، الذي أنتجته شبكة نتفليكس مؤخرًا، تقديم الكثير من التراث النظري إلى الساحة من جديد، فعند مشاهدة هذا الفيلم تتذكر فكرة جيرمي بنثام عن الـ Panopticon؛ ذاك السجن المصمم بعناية دون أن يدرك من هم بداخله أنه تتم مراقبته، فضلًا عن أطروحات ميشال فوكو خاصة في كتابه «المراقبة والمعاقبة»، وصولًا إلى تحليل بيونغ تشول هان في كتابه صغير الحجم عظيم القدر المسمى «مجتمع الشفافية» والذي هو فريد في بابه، نسيج وحده.

من هذه الزاوية لا يُعد ما يطرحه الفيلم جديدًا، فالأمر حتى أبعد من هذا التحقيب النظري الذي سقناه قبل قليل؛ فهم أنفسهم يصدّرون الفيلم باقتباس من سوفوكليس:

«لا يدخل شيء ضخم حياة البشر من دون لعنة».

لكن الجديد حقًا هو أن يخرج علينا بعض ممن كانوا يعملون في هذه الشركات الكبرى، مثل تويتر، فيسبوك، إنستجرام، ليخبرنا أن كارثة ما تلوح في الأفق، وعما قريب سندفع ثمنها من العملة النادرة، باختصار «شهد شاهد من أهلها».

وطبيعي أن هذا النقد _الذي كان يسميه الألمان في زمن غابر «نقد محايث» أي نقد الفكرة بالفكرة ذاتها_ ذو وقع كبير، وإلا فالناس لن يصدقوا تحليلات زيجمونت باومان، ولا تشيري تراكل، ولكنهم سوف يقتنعون بكلام هؤلاء الشبيبة الذين خرجوا في فيلم the social dilemma وقرروا دق ناقوس الخطر.
اقرأ أيضًا: فاروق شوشة.. المسكون لغة وشعرًا

العالم في قبضة نظام المراقبة

إن واحدة من الأفكار الواضحة والصريحة في فيلم the social dilemma هي أن العالم برمته مُراقب، أي أننا جميعًا خاضعون لنظام مراقبة جهنمي، ليس هذا فقط، ولكننا راضون بهذه المراقبة، ومن الجيد هنا أن تطالع كتاب «المراقبة السائلة» لـ «زيجمونت باومان»؛ كي تدرك ماهية التطورات التي خضعت لها فكرة المراقبة؛ إذ لم يعد الأمر متعلقًا بوجود شخص مسلح أو رابض أمامك طوال الوقت يلاحظ ما تفعل، أو يكرهك على الإتيان بفعل شيء ما، بل تغير الأمر إلى الأبد، صرنا نحن الذين نتطوع ونطلب من الناس أن يراقبونا.

يقول بيونغ تشول هان في «مجتمع الشفافية»:

«إن محرك البحث جوجل (Google)، وشبكات التواصل الاجتماعي التي تقدم نفسها بوصفها مساحاتٍ مفتوحةً للحرية توفر أشكالًا من هذا النظام. في عالمنا اليوم لا تُعدّ المراقبة هجومًا على الحرية، فبدلًا من ذلك، يستسلم الناس طواعية لنظرة المراقبة. يتعاونون، عن قصد، داخل هذا النظام الرقمي للمراقبة عبر تعرية أنفسهم وعرضها» (مجتمع الشفافية، ص 99).

إذًا، واعتمادًا على ما جاء في الفيلم _موضع التحليل_ وكتاب «مجتمع الشفافية» يمكن القول إن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي والمواقع والمنصات المختلفة لم يؤد إلى ازدهار الحرية وإنما إلى خنقها.

«يؤدي مجتمع التحكم الرقمي إلى الاستخدام المكثف للحرية» (مجتمع الشفافية، ص 9).

في ظاهرها لا تبدو الأمور كذلك بالطبع، لكن التأمل العميق لما نحن عليه، سوف يقودنا إلى إدراك  _وكما يشدد على ذاك فيلم the social dilemma_ أننا فئران تجارب، يحركنا ويتلاعب بنا طُغمة قليلة من العاملين في السيليكون فالي، وسنوضح هذه الفكرة في حينه.

اقرأ أيضًا:مارسيليو فيسينو.. الرجل الذي اقتفى أثر أفلاطون

لماذا يراقبوننا؟

هذا سؤال على قدر كبير من الأهمية، لماذا ينفق صناع وسائل التواصل الاجتماعي في العالم كل هذا الوقت والجهد في مراقبتنا؟ وما الأهمية التي نمثّلها نحن كي نخضع للمراقبة ليل نهار؟

يجيب الخبراء المشاركون في فيلم the social dilemma عن هذا السؤال بكلمة واحدة: بناء التوقعات حول سلوكنا.

تُرى هل ينطوي ذلك على أي قيمة تُذكر؟ إنه أهم مما يمكنك تصوره؛ فحين يتمكنون من توقع سلوكك، يمكنهم تقديم المنتج الذي يعلمون أنك ستقبل عليه، وبالتالي فهم لا يبيعون البيانات _كما يشير الفهم الشائع_ وإنما يستخدمونها في بناء نماذج توقعات حول سلوكنا البشري، ثم تقديم هذه النماذج إلى المعلنين (الذين يدفعون أموالًا طائلة لهذه المواقع وتلك المنصات).

يعني هذا، في العمق، عدة أمور: أولًا أن «الانتباه» (وضعنا هذه الكلمة بين قوسين عن قصد؛ نظرًا لأهميتها)، أي انتباهك الشخصي هو السلعة التي يتم التنافس عليها الآن؛ فالقائمون على فيسبوك، تويتر، إنستجرام.. إلخ هدفهم الأساسي هو إطالة مدة تصفحك لمنصاتهم، واستمرارك في الـ scroll down.

وثمة أمر آخر، وهو أن هذه المنصات صنعت سوقًا لم يعرفه التاريخ من قبل، وإلا فهل طالع أحد منا في أي كتاب من قبل عن أسواق تبيع الانتباه؟! إنهم في الواقع يتاجرون فينا نحن البشر؛ نحن بالنسبة لهم لسنا سوى «فئران تجارب» لمعمل السيلكون فالي الكبير.

اقرأ أيضًا: فريد الأطرش.. ملك العود وموسيقار الأزمان

تكنولوجيا الإقناع أو قوة العادات

ليس من المفاجئ أن تعلم أن الكثير من القائمين على الشركات الكبرى، أو على الأقل الموظفين المبرّزين فيها، درسوا وبعمق كبير علم النفس واطلعوا على أحدث النظريات السيكولوجية، لكن المفاجئ هو أن تعرف هدفهم من ذلك.

ما الهدف إذًا؟ «زرع عادات معينة في جذع الدماغ» ذاك هو مقصدهم، لكن ماذا يعني هذا؟ إنهم يحاولون _عبر استخدام تكنيكات علم النفس المختلفة_ جعل تصفح منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أو تفقد البريد الإلكتروني الخاص بك مجرد عادة مركوزة في جذع دماغك، فإذا ما شاهدت هاتفك قمت على الفور وبطريقة لا إرادية بفتح فيسبوك أو إنستجرام أو تفقد بريدك الإلكتروني.

ومن أسف أنهم نجحوا في مسعاهم هذا نجاحًا منقطع النظير؛ ويكفي أن تعلم أن الخبراء النفسيين يؤكدون أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إدمانًا حقيقيًا، ولا أعتقد أنه علينا إقامة الدليل على هذه النقطة؛ فالناس الآن لا يطيقون صبرًا البعد عن هواتفهم، ولا حتى يجرؤون على غلق أو محو حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي المخلتفة، إنه إدمان العصر الرقمي.

اقرأ أيضًا: إيفو أندريتش.. كتابة المصائر والتاريخ

المعضلة الاجتماعية the social dilemma

قد يقول قائل إن تحليلنا لهذا الفيلم _أو ربما حتى فكرة الفيلم ذاتها_ شديد الوطأة على التقنية، كما أنه يتغافل عن الدور الأساسي الذي لعبته الوسائط التكنولوجية الحديثة في تعزيز التواصل وتسهيل التفاعل البشري.

لكن الحقيقة خلاف ذلك، واستمع مثلًا إلى بيونغ تشول هان وهو يقول في استبصار لافت:

«يصبح البشر اجتماعيين عندما يحافظون على وجود مسافة بينهم» (مجتمع الشفافية، ص 74).

إن انفتاح الناس على بعضهم، وزوال المسافات بينهم، وغياب الخصوصية لم تؤد إلى تعزيز العلاقات الاجتماعية، ولا زيادة دفء حرارة التفاعل البشري، وإنما أدت إلى النقيض تمامًا.

المجتمع برمته في أزمة، إنه خاضع لمنطق «الفُرجة» _الذي أسهب في شرحه عالم الاجتماع الفرنسي الراحل «غي ديبور» في كتابه «مجتمع الاستعراض»_ فالجميع يريد أن يَرى، والجميع يريد أن يُرى، هذا الإفراط في الظهور لم ينتج عنه سوى مجتمعات متفسخة أواصرها.

وفي مجتمع الاستعراض _الذي يجد تجليه الأبرز على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة؛ فالناس يعرضون أنفسهم؛ أملًا في أن يتمكنوا من جذب انتباه أحد ما، كما هو مجتمع غارق في المنطق الدعائي حتى أذنيه_ يمسي كل شيء سلعة، كل شيء قابل للبيع، للعرض والتبادل، ومن ثم يتم قياس كل شيء (حتى قيمة الإنسان ذاته) من خلال قيمته في العرض. كم عدد «اللايكات» أو «الشير» التي سوف يحصل عليها. الآن بات الإنسان يقيس قيمته وفقًا لهذا المنطق السقيم.
يقول جان بودريار:

«بشكل عام، لا تصل الأشياء المرئية إلى نهايتها عبر الغموض والصمت؛ بل تتلاشى عندما تكون مرئية بصورة مفرطة».

وهذا الاقتباس يذكّرنا بفكرة فالتر بنيامين حول «الهالة» التي يجب أن تحيط بكل عمل فني؛ فالهالة وحدها هي ما تقيه الابتذال، وهي ما تجعله دائمًا موضع اهتمام وجذابًا.

«من الأهمية بمكان، حسب فالتر بنيامين، أن تتمتع الأشياء المقدسة بصفة الحضور بدلًا من صفة (أن تكون مرئية)؛ إذ تعتمد قيمة التقديس على الحضور لا على العرض» (مجتمع الشفافية، ص 29).

والمعنى هنا أن قيام منصات التواصل الاجتماعي المختلفة بفتح كل القنوات على بعضها، ومحو كل أثر للخصوصية، أدى، في نهاية المطاف، إلى حدوث حالة من الفتور والبرود في العلاقات بين الناس؛ ليس منطقيًا أن يكون التواصل الإنساني أو التفاعل الاجتماعي _كما يتحدث علماء الاجتماع_ حارًا، والناس يتحدثون إلى بعضهم، عبر هذه المنصات ليل نهار.

يقول عالم الاجتماع الراحل جورج سيميل:

«حتى الأشخاص الأقرب إلينا، لكي يظل إغراؤهم مستمرًا، يجب أن يظلوا متمتعين بجانب أو أكثر من الغموض والالتباس».

القرب لا يعني الحميمية والحميمية لا تلغي الخصوصية.

اقرأ أيضًا: سوزان باشلار.. سيرة غير ذاتية

التلاعب بالعقول

أتساءل، بيني وبين نفسي: ماذا لو كان هربرت شيللر حيًا بيننا الآن كيف كان سيحلل هذا التلاعب المعمم بالعقول؟ إذا كان الرجل كتب، في عام 1973م، كتابه ذائع الصيت «المتلاعبون بالعقول»، قاصدًا به الإعلام والإعلاميين، وإذا كان بيير بورديو فعل الأمر ذاته في كتابه «التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول»؛ فكيف كان بإمكانهم النظر إلى ما تفعله بنا وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي؟

المؤكد أن حالنا يُرثى له، وأن البشرية لم تشهد، على مدار تاريخها الطويل، تلاعب فئة قليلة من المهندسين والمتخصصين في تقنية المعلومات بعقول بقية سكان الأرض كما هو حادث الآن.

أوقعتنا التكنولوجيا الحديثة تحت سحر تعويذتها الخاصة، وأشار صانعو فيلم the social dilemma إلى المطابقة الصريحة بين السحر والتكنولوجيا عبر اقتباسهم قول «آرثر. سي. كلارك» التالي:

«إن أي تقنية متقدمة بما فيه الكفاية لا يمكن تمييزها عن السحر».

فيلم the social dilemma

اقرأ أيضًا: إدغار آلان بو.. ما لا نعرفه عن أنفسنا

هشاشة إنسان ليس لديه ما يفعل

الملمح الأكثر وضوحًا على إنسان «السوشيال ميديا» المعاصر أنه إنسان هش، ضعيف، مخوار، يفتقر إلى أي عمق رمزي، أو ثراء داخلي، فمساعيه مختصرة، تقريبًا، في أن يحصل على أكبر قدر من «اللايك» و«الشير»، إنه يحاول تحصيل قيمته من خلال هذا، بل إنه لا يرى لنفسه أي قيمة تُذكر إلا من خلال هذا العدد المتكاثر من المعجبين بمنشوراته المختلفة.

إنه إنسان ضعيف، ولأنه كذلك، يريد أن ينتزع من الآخرين اعترافًا بأهميته ومكانته، إنه يريد أن يحيا في فكرهم، كتب بليز باسكال يقول:

«نحن لا نكتفي بالحياة التي تقوم فينا وفي كائننا: نحن نريد أن نحيا في فكر الآخرين حياة خيالية، وإننا لنجتهد من أجل ذلك» (تزفيتان تودورف، الحياة المشتركة، ص 15).

وإنسان كهذا غافل تمامًا عن جدوى وجوده، والمعنى من حياته، هو أصلًا لا وقت لديه لذلك، إنه يهرب، عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وإنستجرام، من «وزر وجوده الفردي» على حد تعبير ميشيل ويلبيك.

ولمثل هذا الإنسان الهش، الهارب من ذاته، تصرف آخر غريب، إنه يلقي بنفسه في أتون هذه المنصات، وينخرط في الحديث مع الناس عبرها فقط من أجل شيء واحد، ألا يفكر في نفسه، يقول «شيك» في رواية «سأم الملك سليمان» لـ «رومان غاري»:

«فأنا أفكر في الآخرين كي لا أفكر في نفسي، وهذا هو أكثر شيء يخيفني في العالم».

«إنسان السوشيال ميديا» مصاب بنوع متجذر من الرعب، إنه رعب غياب المعنى، وطالما أن لا معنى لديه من وجوده ومن حياته فإنه يصاب بنوع آخر من الرعب، وهو رعب الغياب عن وسائل التواصل الاجتماعي، فتراه لا يكف عن تصفح فيسبوك، أو عن نشر صوره على إنستجرام؛ أملًا في أن يتمكن من كسوة حياته أي معنى يُذكر. وهو في النهاية، بائس؛ لأنه يعلق قيمته على آراء الآخرين.

إن فرط التواصل وكثرة التواجد على منصات التواصل الاجتماعي لا ينيران حلكة العالم، وما عليك إدراكه، إذًا، أن العالم الحقيقي خلف شاشة هاتفك المحمول.

اقرأ أيضًا:

هينينغ مانكل.. المثقف الملتزم

جان أنويه.. صراع المثالية والواقعية

آلفين توفلر.. لا نهاية للتاريخ

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

معرض 30*30

85 مشاركًا بـ 600 لوحة.. انطلاق معرض 30*30 في الخبر

انطلق معرض 30*30 الفني، بنسخته الثالثة، وشكّل خلال هذه الانطلاقة هويته بثبات معلنًا _هذه المرة_ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.