فوضى الإعلانات

المشهد الأول:
بصوت مُصاحب من “القَرمشة”، يَقضم الممثل الشهير قطع البطاطس المقلية متظاهرًا بالاستمتاع بالمذاق؛ ليؤثر على المشاهدين وخاصة الأطفال منهم، ويدعوهم لالتهام هذا النوع، متغافلًا عن أضرارها البالغة على صحتهم، خاصة عند الإكثار من تناولها. كم من فضائيات الآن، ما زالت تُعلن عن منتجات غذائية وصحية وأدوية مجهولة المصدر وغير مُرخَصة، سببت أضرارًا بالغة للبسطاء والعامة من المشاهدين.

المشهد الثاني:
تهبط من السماء عشرات من أبراج تقوية شبكات الهاتف الجوال في حارة ضيقة؛ لتقنع العامة بأن وجود هذه الأبراج فوق أسطح منازلهم لا ضرر فيها، رغم نتائج بعض الأبحاث العلمية بما تسببه من أضرار على الجسم والدماغ، جرَّاء بثها إشارات منتظمة من نفس النقطة ولسنوات متكررة.

المشهد الثالث:
محل أثاث خشبي صغير لا تتجاوز مساحته عشرين مترًا في دولة عربية، يضع لافتة ضخمة مُضيئة ليس أعلى المحل، بل أعلى نُصُب هزيل بالميدان القريب منه؛ ليطلق المارة على الميدان المُهم اسم المحل الصغير الذي يضع اسمه بحجم ضخم بنفس الميدان.

المشهد الرابع:
‫صور صادمة تُظهر آثار النخيل النادر الذي بلغ ارتفاعه ٣٥ مترًا في إحدى البلاد العربية، وعاش بأمان لـمائة وخمسين عامًا، قامت جهات رسمية بقطعه وإحراقه، بحجة تطوير وتجميل الميدان، ووضع إعلانات مكان النخيل الذي تم التخلص منه للأبد.‬

المشهد الخامس:
دول كثيرة مثل بلجيكا وبريطانيا وفرنسا وفنلندا والنرويج وجنوب أفريقيا والهند، منعت أي إعلان تجاري يُعزز الصور السلبية عن الجنسين؛ مثل امرأة لا تستطيع قيادة السيارة، أو رجل لا يعرف كيف يتعامل مع الأطفال؛ إذ تدرك هذه الدول خطورة الإعلانات وقدرتها على تشكيل وعي المجتمع.

المشهد السادس:
تغريدة إعلان مُبطَّن للاعب الكرة الإنجليزية الشهير في يوم رأس السنة الميلادية تسببت في توقيع غرامة مالية كبيرة عليه، من قبل هيئة الإعلانات البريطانية (أُنشئت عام 1963)؛ لأنه لم يوضح صراحة أنها إعلان عن شركة الأحذية الرياضية التي روجت لها التغريدة بشكل غير مباشر.

مشاهد متعددة نراها يوميًا في دولنا العربية، تُظهر فوضى الإعلان في بلادنا وتنظيمه في بلادهم. الإعلان وسيلة تسويقية مهمة لترويج وإبراز مزايا المعلَن عنه، ويتطلب الصدق، حتى لا يكون خادعًا للجمهور ومضللًا له؛ ما يتطلب صحوة الضمير المهني لدى المُعلِن، ومن ينيب عنه مثل الوكالة الإعلانية.

إنَّ الإعلانات التجارية لا تستهدف فقط التسويق لمنتجات معينة، بل تُوَجِّه وتُسَيِّس وتُمَنهِج لتغيير فكر مجتمع وثقافة أجيال حالية وقادمة؛ لذا يجب تنظيم سوق الإعلان وحظر المضلل منه ووضع المعايير الدقيقة لتلافي التشوه البصري والسمعي جرَّاء الإعلانات العشوائية، بضبط هذا القطاع.

الرابط المختصر :

عن نبيل محمد شلبي

د. نبيل محمد شلبي رئيس دار المستثمر العربي

شاهد أيضاً

التهام المنافسين

في هذه المساحة من مجلتنا المميزة، كنت قد كتبت مقالًا بعنوان “ريادة الأعمال الحديثة”، أشرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.