فن صنع الذكريات

فن صنع الذكريات.. هل أنت مستعد؟

لم يكن الإنسان ليعلم كيفية التحكُم في حياته، لولا التجارب المتتالية التي تترسخ داخل عقله، ووجدانه، وتجعله يستفيد من أخطائه، ويطوّر من رؤياه الصحيحة؛ استنادًا إلى كل ما فات، وربما يكون حلو اليوم نتيجة لألم الأمس؛ الأمر الذي يتطلب حتمًا معرفة قوية بدروب العقل، خبايا القلب، وأسرار الروح، وما يُخلفه الماضي على الحاضر من لمسات مؤثرة، وبالتالي تعلُم فن صنع الذكريات المختلفة.

إن الحياة البشرية بما تتضمنه من مشاعر متعددة، ومتقلبة، بين سعادة وحزن، بين فخر وانكسار، بين نجاح وفشل، تكوّن الكثير من اللحظات؛ التي تعتمد على محطات مهمة، يتم الاحتفاظ بها في جزء من العقل، يسترجعها الفرد وقتما يشاء بإرادته، أو بغير إرادته إذا ما صادفه موقف ما، وهي ما يُسمّى “الذكرى”.

أهمية الحزن

لولا الحزن لما عرف الإنسان مفهوم السعادة؛ فالأول يتسم بالوفاء ويأتي إليه بغتة كزائر يحب مضيفه، تارة يطيل البقاء، وأخرى يسعى لقلب حياته رأسًا على عقب، أما الثانية؛ فهي أنانية، ونرجسية تعشق نفسها ولا تقبل أن يمتلكها أحد؛ لكنها تبحث عن ترك بصمة لا تُنسى، بل تغدر، وتخلف وراءها شوقًا لما كان عليه الحال من قبل.

ورغم أهمية العديد من المشاعر، مثل: الحزن، وضرورة الانشغال بالكثير من الأمور المختلفة التي تتمثل في أشياء أو أشخاص؛ يظل الإنسان في حاجة ماسة إلى التحرر من قيود الذكرى التي تضعه أمام مرآة الماضي وجهًا لوجه، فلا سعادة جديدة بعد جرح عميق، ولا أمل بعد معاناة مع اليأس، ولا بصيص نور بعد الغرق في قاع الظلام.

اقرأ أيضًا: «نقب بداخلك».. سر السعادة والنجاح

إن الحق الذي يجب أن يوفره الفرد لنفسه، بل لكل قناعاته التي وُلدت من رحم الآلام، تتمثل في التمتع بحرية فن صنع الذكريات الحديثة، واستبدال ما سبق بأخرى تعزز من تطوره الإنساني.

فالإنسانية هي الأساس، وكل ما دون ذلك يخضع لمجهر التدقيق، هل يخدم التطور في ذلك السبيل المنشود أم لا؟ إن كان الألم طريقًا إليها، فالسعادة الأنانية تختصر أميالًا في الوصول؛ لكن هل هي مشاعر حقيقية؟

المشاعر الحقيقية

لا بد أن تكون المشاعر التي يمر بها الفرد حقيقية تمامًا، وهي ذاتها التي تصنع الذكرى، وتتحكم في حاضره، ومستقبله على السواء؛ فإن كان الزيف رفيقه، بين ضحكة عابرة، وحزن مؤقت؛ فإنه يسعى للتعايش مع الأيام التي تمر سريعًا، وبلمح البصر سيجد نفسه من جديد أمام كل الحقائق مرة واحدة.

والآن، يمكنك أن تسأل: هل حقًا يمكنني التحكم في الذكريات؟ هل حقًا سأتمكن من تخطي الماضي؟

يكمن الجواب عن هذه الأسئلة داخلك، فوحدك أنت من تتحكم بزمام الأمور، أنت من يترك للماضي السُلطة القوية، ويربط بين أحداثه حلوها ومرها، وبين ما يجري في الحاضر؛ ما يؤثر بالضرورة في المستقبل، أنت من تسمح لذكرى صغيرة بالسيطرة على عقلك، ويستسلم قلبك حينها إلى مشاعر البكاء على أطلال مضت لم تعد موجودة حاليًا، وتنجرح روحك ما يكفي، دون أن تأخذ حقها في الإشراق، دون أن تُزهر ورودًا كما تستحق.

اقرأ أيضًا: رتب سريرك.. أشياء صغيرة تُغيّر حياتك

استبدال الذكريات

لا تُعتبر عملية استبدال الذكريات بالأمر الهيّن؛ إذ إنك تتخلّى طواعية عن جزء كبير منك؛ فهل أنت مستعد؟

هل أنت مستعد حقًا للبدء من جديد؟ لميلاد تختار أنت ميعاده بمعاييرك الخاصة؟ هل أنت مستعد لمآسٍ مقبلة، وأفراح عابرة تترك ورودًا وأشواكًا على جدران روحك دون أن تقول سلام الوداع؟ هل أنت مستعد للتعرض لخذلان صديق جديد، وغدر محب، وفراق قريب؟ هل أنت مستعد للاستسلام أمام ضحكة طفل رضيع، والتلاحم مع حيوان أليف؟ هل أنت مستعد للحياة من جديد؟

إن كانت إجابتك بـ “نعم”، فمرحبًا بك على متن رحلة الأمل، وإن كانت إجابتك بـ “لا”؛ فربما تحتاج إلى المزيد من الوقت للتفكير مليًا في فرصة وحيدة وغير مكلفة، تعطيها لك الحياة، للتخلي عما فات، والتمسك بما هو آت.

لا يعني التمسك بالضرورة أنك ستبحث مطولًا عن نفسك، بل إنك تتمسك بالإنسانية أولًا، وتعمل على تطويرها من خلال الدروب المختلفة التي تسير عليها.

ترتبط الذكريات حتمًا بكل من: الأشخاص؛ ممن تركوا بصمة في حياتك سواء حزينة، أو سعيدة، والأشياء التي تمتلكها أو قررت الاستغناء عنها، والأماكن التي تتحدث إليك بأسرار ماضيك، تهمس في أذنك: “أنت لن تنسى”.

اقرأ أيضًا: في خطوات.. إليك طريق السعادة في العمل

المخاطرة والقوة

وإن كان الأمر كذلك، فربما أنت بحاجة إلى استجماع قواك؛ من أجل المخاطرة بعلاقات جديدة، ولا يعني ذلك التخلي عن القديمة، بل إن كنت واحدًا من المباركين الذين حصلوا على نعمة الأهل، الأصدقاء، والأحباب، فتمسك بهم جيدًا، واحتفظ بمن يقدرك لذاتك، ورحّب به معك في مغامرتك مع الحياة، تجاذب أطراف الحديث معهم، وطّد علاقتك بهم، وافصح عن مشاعرك تجاههم.

يمكنك أن تزور أماكن جديدة، تحدث مع تاريخها الذي شهد العديد من الناس غيرك، تعرف عليها أكثر، واندمج مع تفاصيلها، دقق جيدًا في جوانبها، واحفظ معالمها؛ حتى تعرف التغييرات التي قد تطرأ عليها مستقبلًا، قف بثبات واغتنم الفرصة السانحة أمامك في استيعاب بصرك لكل ما هو جميل، واختزل ذلك الإحساس الحالي داخلك، واسترجعه وقتما تشاء.

لا تغفل شراء المقتنيات البسيطة التي تدخل السرور إلى قلبك، ويمكنك مشاركة السعادة مع الآخرين، ونشر تلك العدوى بسهولة عن طريق تقديم يد المساعدة، وإدخال السرور إلى قلوب كل من يحتاج بما تراه مناسبًا.

والآن، لملم أوراق الماضي، وأدخلها إلى محرقة التخلي، خطوة قد تدر عليك الكثير من الألم، والدموع التي تظن أنها لن تنتهي، وبعدها ستتنفس الصعداء، وتعلم أنك حُر من جديد، حُر عندما قررت النسيان، عندما تمسكت بكل ما هو ساحر يضيف إلى ذاتك لمسة جمال رائعة، تقف مجددًا، شامخًا بجراحك، فخورًا بماضيك، ناسيًا أحلامك، أنت تمتلك اللحظة الحالية كلها لك بين يديك، بعد أن أتقنت فن صنع الذكريات الحديثة، واعلم أنت وُلدت لتعيش.

اقرأ أيضًا:

اليقظة الذهنية كعلاج ذاتي وخلاص من الضغوط

فن أن تكون هادئًا

خطة العادات الصغيرة.. هل تعرف طريق التغيير حقًا؟

الرابط المختصر :

عن لمياء حسن

لمياء حسن حاصلة على شهادة في الإعلام المرئي، مقدمة برامج سابقة في إحدى الإذاعات المصرية الشهيرة، عملت بالصحافة الورقية والإلكترونية العربية لمدة 7 سنوات. تتقن اللغة الكورية والإسبانية إلى جانب الإنجليزية.

شاهد أيضاً

كيفية التحدث بلباقة

كيفية التحدث بلباقة.. اعرف متى تتكلم

جميعنا يمر بمواقف، سواء في العمل أو في الحياة الشخصية، تجبرنا على إيصال معلومة مؤلمة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.