فن الأصالة

فن الأصالة.. كيف تكون ذاتك على الدوام؟

أن تعرف نفسك، وتتصرف وفقًا لما تمليه هذه النفس، وأن تصدع بما في قلبك على الدوام ذلك طموح كبير، خاصة في القرن الحادي والعشرين المفعم بـ “الكذبات الصغيرة”، لكنك إن تعلمت «فن الأصالة» ستسطيع أن تتلمس طريقك إلى ذاتك، وأن تكون أنت نفسك على الدوام.

ليس الأمر سهلًا، ليس سهلًا أن تكون صادقًا، صريحًا، وشجاعًا، لنعترف بهذا منذ البداية، بل إن مأساة هؤلاء الصادقين عويصة، خاصة في عالم الكذب والغش والزيف والخيانة، وأدرك رياض الصالح حسين تلك المأساة حين قال:

“حارٌّ كجمرة، بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس، وأريد أن أحيا، ألا يكفي هذا أيَّتُها الأحجار التي لا تحبُّ الموسيقى؟”.

إنه لا يكفي بطبيعة الحال، لا يكفي أن تكون واضحًا وبسيطًا لكي تعيش، وإنما يجب عليك، في البداية، أن تتعلم كيف تكون كذلك، أن تتعلم فن الأصالة ذاك الذي أفرطت Karissa Thacker في التحدث عنه في كتابها The Art of Authenticity.

اقرأ أيضًا: الخيار الصعب.. 4 حقائق أساسية عن النجاح

اعتياد الكذب وهجران الذات

ما الذي يجعل أن تكون حقيقيًا، شفافًا، وواضحًا أمرًا عسيرًا؟ لا إجابة سوى الكذبات الصغيرة، سوى إدمان الزيف واعتياده، سوى التعامل مع اللا حقيقي والمزيف على أنه حقيقي بل شرط مسبق لنجاح أي أمر في هذه الحياة.

ومما يُعظّم مأساة الصادقين أنه لا أحد يصدقهم؛ إذ اعتاد الناس أن ينتصبوا على خشبة مسرح الحياة ويمارسوا الكذب والتمثيل على أنفسهم، ومن ثم إذا كان ثمة شخص ما يصدح برأيه، ويصدع بما يمليه عليه قلبه وضميره فلن يصدقه أحد؛ لأنه، ببساطة، فقد الشرط المسبّق والمعطى التأسيسي للعيش في هذا الزمن وهو ألا تكون أنت.

يعني هذا أن الفاعل الاجتماعي (كما يحب أن يتكلم علماء الاجتماع) قرر هجران ذاته، والتنكر لحقيقته الذاتية والشخصية، وأن يمثّل، ويكذب ليظفر بهذه الغنيمة أو ذاك المكسب.

اقرأ أيضًا: إدارة عقلك.. مهارات للياقة الذهنية

التمثيل على مسرح الحياة

كان عالم الاجتماع الراحل Erving Goffman حين طرح في كتابه the presentation of self in everyday life أن الناس (الفاعلين الاجتماعيين) لا يكونون هم أنفسهم، لا يكونون حقيقيين إلا في الكواليس، إلا في الغرف المغلقة، أما طوال الوقت الذي هم فيه يتفاعلون مع غيرهم فإن أمرهم أشبه بذاك الممثل المسرحي الذي ارتقى خشبة المسرح وقرر لعب الدور المكتوب له مسبقًا.

لكن من يكتب لنا أدوارنا ويفرض علينا أن نلعبها؟ في الحقيقة المجتمع هو الذي يتولى عملية هندسة سلوكنا، تحت ما يُسمى بـ «التنشئة الاجتماعية»، ونحن لا نلعب في المجتمع دورًا واحدًا، وإنما هناك الكثير من الأدوار التي يتعين علينا لعبها مثل ذاك الدور الذي تلعبه في العمل، أو عندما تكون زوجًا، مديرًا، أبًا، صديقًا.. إلخ.

ولكل دور من هذه الأدوار الاجتماعية المختلفة طائفة من الواجبات التي يتعين عليك النهوض بها، وهو ما يسميه علماء الاجتماع بـ «توقعات الدور». كل هذا يعني أن ذاتنا الحقيقية في خطر، وأن فن الأصالة أمسى ضرورة ومحتمًا؛ كي نعثر على طريق إلى أنفسنا الحقيقية، أو، على أقل تقدير، على حل وسط، بين هذه التوقعات الكثيرة المطلوب منا الوفاء بها وبين ما نحن عليه بحق.

اقرأ أيضًا: تدريب على السعادة.. 7 مبادئ أساسية من علم النفس الإيجابي

فن الأصالة

شَرَك الخيارات المحدودة

حاكمنا، في الطرح الفائت، المجتمع، وألهبنا بالسوط ظهور قواعد السلوكيات العامة، والآن حان دورك! إن ما يُشعر المرء أنه بين حدين، خيارين فقط إما أبيض أو أسود هو ذاك الذي يدفعه إلى هجران ذاته، والتخلي عن الصدق؛ صحيح أن الصدق منجاة ولكن له ضرائب كبرى كذلك.

ولكي تخرج من شَرَك الخيارات المحدودة وسّع مداركك، وتعمد رؤية الأمر من كل الزوايا، ففي نهاية المطاف وجهة نظرك حول هذه القضية أو تلك لا تعدو كونها وجهة نظر واحدة، منظور واحد من بين منظورات شتى متنوعة بتنوع البشر على ظهر هذا الكذب.

وعلى ذلك، فإن أول خطوة على طريق تعلم فن الأصالة هو أن تُحاكم رؤاك وتصوراتك الذاتية في البداية، وألا تنجرف وراء رد الفعل الأوليّ _الذي هو أحمق وغير عاقل بالمرة_ وإنما أن تحكم الأمور بميزان المنطق والتنوع في وقت واحد.

إن فعلت ذلك، فستجد أن هناك الكثير من الخيارات والبدائل التي يمكنك أن تقوم بها أو تنهجها دون أن تكون مزيفًا، أو أن تتخلى عن ذاتك الحقيقية، لكن إن تصورت أن الحياة أبيض وأسود فقط فعندئذ ستأتيك المتاعب من كل حدب وصوب. وأنت الجاني على نفسك، والحال هذه، إذ إنك ضحية ضيق أفقك ومحدودية تفكيرك.

اقرأ أيضًا: اليقظة الذهنية كعلاج ذاتي وخلاص من الضغوط

فن الأصالة

عقلية ثبات/ عقلية نمو

في محاولة لشرح الأصالة، تميز عالمة النفس كارول دويك؛ من جامعة ستانفورد، بين مجموعتين من العقليات، النمط الأول من هذه العقليات هي عقليات ثابتة، تنظر إلى الأمور بشكل ثنائي فقط، وأصحاب هذه العقلية يجدون صعوبة كبرى في أن يكونوا أنفسهم، في أن يعيشوا بصدق؛ لأنهم لم يعرفوا الطريقة التي يكونوا بها صادقين.

أما النمط الثاني من العقليات الذي تشير إليه كارول دويك فهو «عقلية النمو» وأصحابها عمليون، أفقهم واسع، وينظرون، قبل اتخاذ قرار من القرارات، إلى الخيارات المتعددة المطروحة أمامها، ثم يختارون أفضلها لهم، وأقربها إلى ذواتهم الحقيقية.

اقرأ أيضًا: فن أن تكون هادئًا

لديك نفس واحدة ولكن!

صحيح أن لدى كل منا ذات واحدة حقيقية، نفس واحدة، ومن ثم فإن كل واحد منا فريد من هذه الجهة؛ فكونك أنت لا يعني أن هناك من هو مثلك تمامًا، كل إنسان نسخة فريدة، نسيج وحده، سوى أن هذا لا يعني أن هذه الذات التي هي لنا لا تظهر بأشكال مختلفة، ولا تتمثل وتتشكل وفق الظروف المختلفة.

كلما كنت مرنًا كان هناك الكثير من الأشكال التي تظهر من ذاتك الحقيقية، إن المرونة، منظورًا إليها من هذه الزاوية، تعني ثراءً للشخصية، وفرصة للتفتح والازدهار الذاتي.

ومن هنا فلا يجب على المرء أن يقع في شَرَك الخيارات المحدودة، أو فريسة لمحدودية الأفق وثنائية البدائل، الكون متنوع، والعالم مختلف ومليء بالمنظورات المختلفة، فليكن ذلك منك على بال حتى تكون صادقًا وأصيلًا.

اقرأ أيضًا:

خطة العادات الصغيرة.. هل تعرف طريق التغيير حقًا؟

«نقب بداخلك».. سر السعادة والنجاح

رتب سريرك.. أشياء صغيرة تُغيّر حياتك

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

التغلب على الإرهاق

التغلب على الإرهاق.. خطوات عملية وعادات بسيطة

عالمنا سريع الخطى، أيامنا محمومة بالأعباء، وليالينا مشغولة بالواجبات الاجتماعية، وليس من المستغرب، والحال كذلك، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.