طه حسين

طه حسين.. الذي امتطى أناه الجريحة صوب السماء

هل من الممكن الحديث عن طه حسين في هذا الزمن؟ وكيف يا ترى سيكون ذاك الحديث؟ أم تُرى ننتهز مناسبة ذكرى وفاته (28 أكتوبر عام 1973م) لنعيد بعث أفكاره من جديد؟!

طه حسين رجل مختلف، مختلف عن حق وبحق، لكنه، وفي الوقت ذاته، جريح، ولأنه طه حسين ذو النفس الأبية والأنف الشامخ قرر امتطاء أناه الجريحة والصعود بها نحو السماء، نحو المجد والأعالي.

ليس لافتًا في سيرة هذا الرجل أنه كان شكاكًا، وأنه جرأ على طرح السؤال، كما فعل سقراط من قبل، أو أنه وضع المسلمات في ميزان العقل وحاكمها إلى النقد كما فعل ديكارت مثلًا، ليس هذا ما يميز الدكتور طه حسين، وإنما ما يميزه حقًا، وما جعله الإنسان الذي نعرفه الآن، هو أنه خالف المألوف، ثار على بيئته، تنشئته الاجتماعية، على شيوخه وأساتذته.

كان هذا الرجل الثائر على كل شيء (حتى على نفسه هو شخصيًا) نارًا تحرق، وسيلًا يغرق، ما صمد أمامه من أحد، وهو جرأ على التطويح بأفكار بالغة القدامة والعتاقة إلى غياهب المحق ومهاوي السحق، وأجبره هذا الاختلاف وذاك التفرد إلى عزلة شعورية، فكرية وحتى مادية/ جسدية مريرة لا يقوى على تحملها إلا أصحاب الأرواح الكبرى والهمم العالية.

اقرأ أيضًا: ليبرون جيمس.. نجم البطولات

طه حسين وديكارت

كان صاحبنا _على نحو ما كان يتحدث عن نفسه أحيانًا في «الأيام»_ أستاذًا في فن الشك، مُبرّزًا في الإجهاز على الأفكار البليدة وإحالتها إلى متحف الأفكار، لكنه في هذا مسبوق جدًا، ألم يُشغّل ديكارت مهماز شكه الحاد في جسد الأفكار قاطبة، ألم يغرس مبضع نقده في كل ما لا ينتمي إلى مملكة العقل؟ ثم أليس ديكارت نفسه مسبوقًا في هذا؟

غير أن طه حسين فاق صاحب مبدأ «أنا أشك إذًا أنا موجود» في ميدان آخر لم يتطرق إليه هو نفسه (أي ديكارت)، فلم أعثر على أثر، حسب قراءتي البعيدة لديكارت سواءً في «حديث الطريقة» أو غيره من مؤلفاته، أنه حاكم نفسه هو ذاته، أو أنه وضع ذاته في ميزان شكه.

وهنا تحديدًا فاقه طه حسين وتقدم عليه؛ فحين تطالع سيرته الذاتية الثرّة «الأيام» قد تشعر بأن المكتوب عنه/ المحكي عنه شخص آخر غير طه حسين، أي ربما تشعر بأن ثمة هوة سحيقة بين السارد والمسرود، بين الحاكي والمحكي.

وهذه طبعًا، كما يحب أولئك المصرين على مبدأ الموضوعية، ميزة كبرى، فطه حسين تحدث عن نفسه في «الأيام» كما لو أنه يتحدث عن شخص آخر، أي أن الرجل فعّل «استراتيجية أخذ المسافة» من نفسه، أفكاره، تصوراته عن العالم والأشياء، ومعلوم أن المرء لن يستطيع التوصل إلى حكم معتبر يستقيم مع قواعد العقل والمنطق بدون أخذ المسافة ذاك.

كنا نجد «طه حسين» يتحدث عن نفسه بضمير الغائب _ولفت هذا الأمر شوقي ضيف على نحو خاص_ ويقول قاصدًا نفسه «صاحبنا»، «فتانا»، ويقول عن نفسه «الفتى» تارة، و«الصبيّ» تارة أخرى، ولعل قصد عميد الأدب العربي من هذا التصرف هو تطبيق منهجه التجريبي/ النقدي عليه هو شخصيًا كما فعل مع الأدب العربي أو الجاهلي بشكل أعم.

سوى أن هذا التصرف يجعل رأي عالم الاجتماع الراحل “زيجمونت باومان” حول السير الذاتية غير مناسب، فالرجل يقول، في سياق تحليله الأعم لموضوع النرجسية في العصر الحديث أو عصر «الحياة السائلة» كما يسميه، أن الذين يكتبون سيرهم الذاتية إنما هم قوم نرجسيون، بلغ حب الذات مبلغًا كبيرًا لديهم، حتى جرأوا على نشر سيرهم الذاتية على الملأ.

اقرأ أيضًا: إدغار آلان بو.. ما لا نعرفه عن أنفسنا

في صحبة أبي العلاء وسجنه

لم يجنح الدكتور طه حسين؛ خلال رحلة حياته المليئة بالآلام والنجاحات، سوى إلى شخصيتين من بني البشر قاطبة: زوجته «سوزان» _وسنضرب عن ذكرها الآن صفحًا_ وشيخ المعرّة وفيلسوفها أبو العلاء المعرّي.

وحالما أعيد تأمل تلك العلاقة بين عميد الأدب العربي وشيخ المعرّة أتذكر تحليل الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه عن «نيتشه» حين كان يتحدث عما أسماه تقريبًا «السنة الفاصلة في حياة كل موهبة»؛ وهي السنة التي يقرر التلميذ فيها الانفصال عن أستاذه، و«الاهتداء إلى ذاته»، فلئن كان نيتشه وهولدرلين وليوباردي وجوته أداروا ظهورهم ذات يوم فاصل لمثالهم الأعلى، فإن طه حسين أدار ظهره للجميع باستثناء شيخ المعرّة.

ما الذي جمع هذين الرجلين، هاتين الموهبتين الفذتين يا ترى؟ إنه الاغتراب عن المجتمع المحيط، إنها الأفكار الثائرة، والعقول الجامحة الكبيرة، التي رامت إشعال جذوة النقد في جسد ثقافة متكلسة راكدة.

طبعًا كلا الرجلين (عميد الأدب العربي وشيخ المعرّة) كان فاقد البصر، ولكن حاد البصيرة، وعلى الرغم من أن طه حسين قال ذات يوم:

«ورأيت بيني وبين الرجل تشابها في تلك الآفة المحتومة، التي لحقت كلينا في أول صباه، فأثرت في حياته أثرا غير قليل».

فإن العمى ليس هو ما وحّد بينهما _وإن كانت هذه الآفة (حسب تعبير صاحبنا نفسه) لعبت دورًا محوريًا في تجسير أو بالأحرى تدشين علاقة أولية بينهما_ ولكن «لزوميات» أبي العلاء و«رسالة الغفران»، وثورة الرجل الدائمة على مجتمعه المحيط، وسخطه على التخلف والعماوة والغباوة، هو ما شدّ طه حسين من مجامع ثوبه وقلبه إلى أبي العلاء المعري.

 

كلاهما كان سجينًا _ألم تلحظ تلك الحمولة الدلالية الكثيفة في عنوان كتاب طه حسين «مع أبي العلاء في سجنه»؟_ ولكن السجن هنا ليس متعلقًا بآفة العمى وحدها، ولكن السجن هنا أعم، إنها عزلة شعورية عن المحيطين والمقربين، ورحلة تامة نحو الذات، صوب القاع والأعماق. هذه الوحدة في الأرواح والوجدانات الخاصة هي ما وحّدت حقًا بين هذين الرجلين.

ولكي تدرك عمق العلاقة الوجدانية والروحية بين طه حسين وأبي العلاء المعري إليك ذلك الحوار المتخيل الذي صنعه عميد الأدب العربي مع شيخ المعرّة:

«كنت أنا أدير في نفسي حوارًا بيني وبين أبي العلاء، موضوعه الرضا عن الحياة، والسخط عليها، والابتسام لها، والضيق بها، وكنت أحدث أبا العلاء بأن تشاؤمه لا مصدر له في حقيقته إلا العجز عن ذوق الحياة، والقصور عن الشعور بما يمكن أن يكون فيها من جمال وبهجة، ومن نعيم ولذة، وكان أبو العلاء يقول لي: فإنك ترضى عما لا تعرف، وتعجب بما لا ترى. وكنت أقول له: إن لم أعرف كل شيء فقد عرفت بعض الأشياء، وإن لم أر الطبيعة فقد أحسستها، وكان أبو العلاء يقول لى: تبيًن إن استطعت حقيقة ما تعرف، فسترى معرفتك مشوهة، ولائم _إن استطعت_ بين ما تحس من الطبيعة، وما يرى الناس منها، فلن تجد إلى هذه الملاءمة سبيلًا».

إنه يهرب إليه من مجتمعه، يرتمي في أحضان عقله، ليحاوره، ويهدّئ، ولو للحظة، إبر الاغتراب الواخزة في قلبه وفؤاده. إنني الآن أتساءل: ماذا لو لم يكن أبو العلاء في حياة طه حسين؟ هل كان سيحتمل حياته حقًا؟!

نحن ندرك طبعًا ذاك الدور الحاسم الذي لعبته «سوزان» في حياة زوجها عميد الأدب العربي، لكن ذلك لا ينفي أنه بدون أبي العلاء ما كان له أن يظفر بهذا العزاء الكبير الذي تلقاه عبر هذا الرجل الصلب وسيرة حياته.

اقرأ أيضًا:ريشارد جوردن ورحلة غزو الفضاء

«درس السؤال»

إن الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من عميد الأدب العربي هو «درس السؤال»، تتعلق شجاعة المثقف الحقيقي بالقدرة على طرح السؤال، السؤال الصحيح بالأحرى، وليس العثور عليه، صحيح أن محاولة العثور على منهجية متناغمة مع حدود العقل والمنطق أمر جيد، والحصول على إجابة، أو حتى شظايا إجابات أولية عن أسئلة واخزة أمر جيد.

لكن صعوبة الحصول على الإجابة لا ينبغي أن تصدنا عن طرح السؤال، إن طريق الإجابة مرصوف بالسؤال، والحياة برمتها سؤال، فماذا لو لم نجرؤ على طرحه؟ سنظل بالطبع عالقين/ غارقين في مستنقعات أيديولوجية، وثقافة متخثرة، ورؤى عفا عليها الزمن.

هذا هو «درس» طه حسين الحقيقي، الذي يتعين علينا إعادة استملاك تراثه وآرائه من جديد استملاكًا نقديًا، أي أن نفكر مع طه حسين ضد طه حسين، أن نستخدم منهجه لنقد منتجه الفكري والثقافي، أن نتجاوزه ونتخطاه. ذاك بالضبط ما كان يرمي إليه عميد الأدب العربي، وهو أيضًا ما يسره في قبره إن نحن أقدمنا على فعله.

اقرأ أيضًا:

هينينغ مانكل.. المثقف الملتزم

جان أنويه.. صراع المثالية والواقعية

ويليام موريس وتطوير نظرية الصنعة اليدوية

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

كالي بآتلو

كالي بآتلو.. حين لا تجد سوى الكتابة سبيلًا

عاش كالي بآتلو؛ الروائي الفنلندي ذائع الصيت، حياة مترعة بالشظف وضيق ذات اليد، ناهيك عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.