ريادة الأعمال ومحاربة الفقر

ريادة الأعمال ومحاربة الفقر.. قراءة في السياق والمضمون

حين نحاول تقصّي حدود العلاقة بين ريادة الأعمال ومحاربة الفقر لا نكون في المياه الدافئة أبدًا؛ فمن المعروف _شئنا أم أبينا_ أن ريادة الأعمال هي صنيعة الرأسمالية، المتسبب الأول في الفقر والكوارث في العالم، يكفي فقط أن تطالع كتاب «عقيدة الصدمة» لـ «نعومي كلاين» لتدرك فداحة الممارسات الرأسمالية في شتى أصقاع العالم، فكيف يمكن للريادة أن تحارب الفقر وهي سليلة النظام الاقتصادي الذي صنعها من الأساس؟!

بالإضافة إلى أنه دائمًا يُنظر إلى المشاريع الاستثمارية على أنها ضد مصالح الفقراء، لكن هل الواقع كذلك حقًا؟ يقول المنطق إنه ليس كذلك، كما أن مسألة ريادة الأعمال ومحاربة الفقر هذه تستلزم إعادة نظر من جديد لفكرة الريادة وجوهرها.

ويمكننا القول إن ريادة الأعمال نظام قائم بذاته؛ بحكم التطورات الجمة التي خضع لها، أو بالأحرى خارج عن الطوق، لا سيما إذا نظرنا إلى فكرة ريادة الأعمال الاجتماعية.

اقرأ أيضًا: عالم بلا فقراء.. هل يمكن للمسؤولية الاجتماعية أن تؤدي الدور؟

من الرفاهية إلى ريادة الأعمال

وحين نضع الأمور في سياقات اقتصادية واجتماعية أعم سنفهم أن العلاقة بين ريادة الأعمال ومحاربة الفقر حقًا وطيدة؛ فحين تم التخلي عن نموذج دولة الرفاهية، وتم إطلاق السوق الحر (الذي هو ليس حرًا من الأساس على حد قول باسكال بروكنر في كتابها «بؤس الرفاهية») كان لا بد من أن يكون هناك نظم أخرى، حتى وإن كانت غير رسمية، فظهرت المسؤولية الاجتماعية _وإن كانت أسبق في الظهور من دولة الرفاهية ذاتها_ وتاليًا جاءت فكرة ريادة الأعمال.

ولأن ريادة الأعمال نظام دينامي؛ فإنها لم تكتف بمراكمة الربح، أو حتى تقديم بعض الخدمات هنا وهناك، ولا حتى بالحلول محل دولة الرفاهية، وتقديم ما كانت تقدمه ولكن في أطر وممارسات غير رسمية، وإنما قلبت الطاولة تمامًا، فعملت على إعطاء الفقراء والمهمشين زمام المبادرة.

الآن صار بإمكان كل فرد _حتى لو كان في أكثر البلدان تخلفًا وفقرًا_ أن يملك مصيره، وأن يغير من واقعه الشخصي، وواقع مجتمعه ككل، أليس هذا هو المطلب الأساسي في ريادة الأعمال الاجتماعية؟

وفي العمق، لم تعد ريادة الأعمال تهتم أو حتى تروج لأي قيم استهلاكية (تلك القيم التي تبرع النظم الرأسمالية على اختلاف أطيافها وأشكالها في الترويج لها، حتى إنه بالإمكان القول إن الاستهلاك وتحويل السلع إلى نفايات هو الهدف الرأسمالي الأسمى، وحلل زيجمونت باومان على نحو متبصر معضلة النفايات تلك في كتابه «الحياة السائلة»)، وإنما صنعت (أي ريادة الأعمال) نسقًا أخلاقيًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على أفكار مثل الادخار، وتقليل الاستهلاك، والإنفاق فيما هو مُجدٍ فحسب.

اقرأ أيضًا: النظرية الأخلاقية وراء المسؤولية الاجتماعية

ريادة الأعمال ومحاربة الفقر

من الشخصي إلى الاجتماعي

لعل الهدف الأساسي من طرح موضوع «ريادة الأعمال ومحاربة الفقر» ليس هو القضاء على الفقر باعتباره مشكلة شخصية؛ إذ لو كان الأمر كذلك لانمحى الجوهر الرئيسي لريادة الأعمال، بما هي فن إحداث الفرق وتغيير العالم، ولكننا نقصد محاربة الفقر من حيث هو كذلك، أي من حيث هو شأن جماعي عالمي.

لا نجرؤ بطبيعة الحال على القول؛ عبر تناولنا موضوع «ريادة الأعمال ومحاربة الفقر»، إننا سنشهد عالمًا بلا فقراء بفضل المشروعات الناشئة والريادية، وإن كان الأمر ممكنًا في الحقيقة لكن يلزمه تغييرًا في البنية الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي، وعبر تغيير نمط الإنتاج، والقيام بعملية إعادة هيكلة تامة، سوى أن هذا ليس سوى حلم بعيد المنال، على الأقل في الحقبة الراهنة.

ما نعنيه إذًا بموضوعنا «ريادة الأعمال ومحاربة الفقر» هو محاربة الفقر على الصعيد العالمي، والحق أن رائد الأعمال الحقيقي يتقن فن الخروج عن ذاته، بمعنى أنه ليس مكرّسًا لتحقيق أهدافه وطموحاته الشخصية محدودة الأفق والنطاق، ولكنه يفكر على نحو أوسع، يفكر في تغيير مجتمعه المحيط ومن ثم العالم.

تأثير رواد الأعمال أشبه ما يكون بالدوائر التي تحدث عندما نلقي حجرًا في الماء، كلما أمعن الحجر في الوصول إلى العمق زاد التأثير، وهكذا هو الأمر فيما يتعلق بريادة الأعمال، كلما كان المشروع أرسخ قدمًا وأكثر نجاحًا كانت قدرته على محاربة الفقر وإحداث الفرق أكبر وأعمق.

ولعله بات واضحًا الآن أن ريادة الأعمال لا تفيد فقط صاحب المشروع، ولكنها تعود بالنفع على المجتمع ككل، فعندما يتم إنشاء شركة في مجتمع ما فإنها توفر وظائف محلية، وتساعد في استمرار تداول الأموال في المجتمع، وغالبًا ما تجذب الأموال من المجتمعات الأخرى. يتم إنشاء ما يقرب من ثلثي الوظائف من قبل الشركات الصغيرة.

أي أنها تساعد في توليد الوظائف، وزيادة معدلات التدفق النقدي، وخفض معدلات البطالة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، فكيف ترى الآن العلاقة بين ريادة الأعمال ومحاربة الفقر؟

اقرأ أيضًا:

جوهر المسؤولية الاجتماعية وسبل إنقاذ الرأسمالية

لماذا يجب أن تأخذ المسؤولية الاجتماعية على محمل الجد؟

الرأسمالية الواعية والمسؤولية الاجتماعية للشركات

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

مبادئ المسؤولية الاجتماعية

مبادئ المسؤولية الاجتماعية لدى جوجل.. ممارسات مستدامة

إذا أردنا أن نعرف كيف تعزز جوجل مبادئ المسؤولية الاجتماعية؟ فلنلق نظرة، أولًا، على الشركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.