الإدارة

رسول الله مؤسس الإدارة الحديثة

كانت الإدارة موجودة منذ قدم الإنسان على الأرض، وكان المسؤول عن إداراتها بتكليف من رب العزة فى قوله: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ” (البقرة- 30)، وتعني أن يخلف الناس بعضهم بعضًا في إدارة الأرض؛ حيث ترك الله لنا دلائل على ممارستِهم للعمليةِ الإدارية، وفق ما تركته الحضارات القديمة.

وهنا كان مبدأ فن الإدارة، ففي إدارة النبي محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تجد فن الإدارة والعلم في كتاب الله، الذي علم آدم الأسماء كلها؛ لتجتمع الإدارة مع العلم والمعرفة.

الإدارة قبل البعثة النبوية

قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كانت الإدارة في مكة عبارة عن نظام يتمثل في القبيلة؛ برئاسة شيخ للقبيلة، الذي تتوافر فيه صفات معينة، وله حقوق، وعليه واجبات تعارفت عليها القبائل، دون دستور، أو نظام إداري له خطوات.

كانت الإدارة فى مكة مرتبطة بالكعبة، ولا سيما في الإدارة المالية المتمثلة بأخذهم الإيلاف من القبائل؛ ما أتاح لهم تعاملًا مستقلًا وأمنًا مع جميع القبائل على طول طرق التجارة في الشرق والغرب.

وكانت الإدارة في يثرب أيضًا لاتختلف عن مكة عند سكانها من العرب واليهود، إلا في الاستقرار؛ نظرًا لطبيعة الحياة الزراعية.

فن الإدارة في الدعوة للإسلام

تناول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فن الإدارة في أول وظائف العملية الإدارية؛ بالتخطيط لاستخدام الدعوة سرًا؛ عن طريق الدعوة الفردية؛ إذ ابتدأ بالأقارب بما فيهم الصبية، فكان أول من أسلم من الأقارب والصبية علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-، ثم الأصدقاء فكان إسلام أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-، ثم مرحلة الدعوة الجماعية والعلنية.

وكان لكل من هاتين المرحلتين، وظائف إدارية من واقع الظروف المحيطة بالدعوة وأتباعها، ثم بعد ذلك الدعوة الجماعية، واستخدام الوظيفة الثانية من العملية الإدارية؛ وهي عملية التنظيم الإداري بعيدًا عن العصبية القبلية، ثم بيعة الأنصار، وإنشاء نظام النقباء؛ ككفلاء على أقوامهم، ورجالًا للإدارة في الدولة؛ حيث يمكن الاعتماد عليهم في إدارة القوى البشرية العاملة فى بناء الدولة.

الإدارة

فن الإدارة الحديثة بعد الهجرة

قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم-بتدريب القوى البشرية العاملة والموارد المادية المتاحة؛ لتحقيق الأهداف باستخدام وظائف الإدارة؛ العملية الثالثة بالتوظيف؛ بتقسيم الدور على المهاجرين واستيعابهم فى المجتمع الجديد، وبناء المسجد؛ كمركز للحكم والإدارة، وجعل بينهم مودة ورحمة ومؤاخاة؛ لتكوين مجتمع مترابط أمام التهديدات والأخطار الداخلية والخارجية التي تهدده.

عمل المسلمون فى التجارة، وإنشاء سوق تجارية؛ كإحدى أدوات الإدارة المالية؛ ليتميزوا فى تعاملهم؛ من أجل بناء اقتصاد مدني يخلصهم من الاقتصاد اليهودي الذي كان مسيطرًا في ذلك الوقت، والذي كان قائمًا على الاستغلال والجشع.

أسس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الإدارة المالية؛ حيث كان الأفراد ينفقون عليها من تبرعاتهم الخاصة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة بدأت الإيرادات تتدفق على الدولة من الغنائم، والجزية، والزكاة، والصدقات المختلفة؛ ما اقتضى وظائف خاصة لحفظ الأموال المختلفة، وإرسال العمال لجمع الصدقات، وإنشاء جهاز إداري كامل، فيما يطلق عليه اليوم “وزارة المالية”؛ وبذلك أقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نظامًا إداريًا كبيرًا، يعرف حقوق الأفراد وواجباتهم، وربط المجتمع بجميع فئاته بالمدير والقائد الجديد؛ المتمثل فى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

إدارة النبي فى بناء الدولة الحديثة

وضع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كل القواعد والوظائف الإدارية؛ حتى استكملت الدولة الإسلامية أركانها بوجود أمة، وأرض، ودستور ينظم شؤونها الداخلية والخارجية، واستخدم العملية الرابعة للوظائف الإدارية؛ وهي التوجيه فى إدارة الدولة، وإدارة البلدان، والهيكل الإداري؛ المتمثل في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والنقباء والمستشارين، وتقسيم الدولة إلى وحدات إدارية؛ حيث أرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لكل وحدة من هذه الوحدات، أميرًا أو شيخًا، أو وليًا على المناطق والقبائل، وحدد لهم حقوقًا وواجبات وشروطًا للتعيين؛ مثل: التقوى والورع والكفاءة والخبرة، كما عيَّن أميرًا للحج مع وجود وظائف مرتبطة بهذا الموسم.

بعثات تعليمية

قامت الدولة الإسلامية على أساس العلم، والتعليم، فتم إرسال بعثات تعليمية إلى أنحاء الجزيرة؛ فهناك من تعلم أكثر من لغة؛ لتسهيل التعامل مع الدول والمجموعات المجاورة لنشر الإسلام والتعليم، على أن يكون العلم والتعلم شاملًا لجميع فئات المجتمع، وإحدى سماته العامة.

واستخدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-الوظيفة الخامسة من وظائف العملية الإدارية؛ وهي التنسيق في إدارة الدولة بين القائد والوالي والأمراء والمستشارين والمشايخ فى جميع أنحاء البلاد، والاتصال الإداري باستخدام الإدارة الخارجية أو ما تسمى “وزارة الخارجية” اليوم، والتي تدير العلاقات العامة الدبلوماسية الإسلامية عبر سفراء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذين تتوافر فيهم صفات الذكاء، والفطنة، وجمال الهيئة والخلقة؛ لأنهم يمثلون أمتهم في القضايا المختلفة لنجاح العملية الدبلوماسية الإسلامية.

واستخدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-الوظيفة السادسة من العملية الإدارية؛ وهي عملية المتابعة وإعطاء حق الأمان والحصانة والحرية والتكريم فى الاستقبال، وفي عقد المعاهدات، والاتصال المباشر في ربط القبائل مع الدولة بمواثيق ضمنت للدولة ولاء هؤلاء وطاعتهم، وضمنت للقبائل الحرية الذاتية في تنظيم أمورها الداخلية.

يطول الحديث عن فن إدارة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنَّ أبرز أسباب النجاح يكمن في وضع أسس فن الإدارة الحديثة لقائد الأمة محمد- صلى الله عليه وسلم-.

اقرأ أيضًا:

مميزات الإدارة المرنة.. ماذا تفعل الشركات في عصر السيولة؟

التواصل الجيد مع الموظفين.. سبل للفهم وتحقيق الأهداف

تطبيقات مراقبة الموظفين عن بُعد.. سياسة انعدام الثقة

الرابط المختصر :

عن د.خالد سيد

مدرب ومحاضر في الإدارة والتسويق، دكتوراة في إدارة الأعمال والتسويق، ماجستير في إدارة الأعمال، دبلومة الدراسات العليا في المراجعة، دبلومة مهارات الموارد البشرية [email protected]

شاهد أيضاً

الإدارة المتسامحة

الإدارة المتسامحة.. التجريب والابتكار والفشل

الإدارة المتسامحة مرحلة لاحقة أو خطة بديلة في حال وقوع الفشل أو الخطأ، لكنها، وفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.