“دعوة للمعرفة ” (26)

رواد الأعمال.. والتنمية الاقتصادية (5)
سألني صديق عزيز، أهتم برأيه، وأثق في حكمته: “لماذا تتحدث وتهتم كثيرًا بالتنمية والاقتصاد، ثم بالمعرفة والفهم والفكر والفلسفة، على الرغم من أنك خبير ومتخصص في “المشروعات الصغيرة، وريادة الأعمال”؟!
سؤال وجيه، يستحق إجابة عميقة، فـ”التنمية والاقتصاد” يتحدثان دائمًا حول “الكليات Macro”، بينما تدخل المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال تحت إطار ما يُسمَّي بـ “الجزئيات Micro”. ومن واقع خبرتي وتجربتي، فإنَّ معرفتي وإلمامي بالمشروعات الصغيرة يرجع إلى اهتمامي بالتنمية والاقتصاد، ومعرفتي بهما بعمق أيضًا.

ولكي تكون عالمًا وخبيرًا ومتخصصًا في “الجزئي” Micro level يجب أن تكون عارفًا أيضًا وملمًا بالكلي Macro level، فكما يُقال: ” تُعرف الأشياء بضدها”؛ لدرجة أننا نستطيع أن نقول الفيل ليس نملة! إنَّ كثيرًا من الأسئلة والألغاز المحيرة في “الكلي” Macro، تجد إجابتها عند “الجزئي” Micro، والعكس صحيح.

من “قصة التنمية” عرفنا وتعلمنا الكثير المفيد في خبرتنا بالمشروعات الصغيرة، ومن “قصة الاقتصاد عرفنا أنواع الصناعة والزراعة والتشييد والبناء والسياحة والتجارة، وعرفنا ما يمكن أن تتميز فيه المشروعات الصغيرة، وما هو بعيد عن قدرتها.
ومن فهمنا للتنمية وأنواعها، والاقتصاد وأنواعه، عرفنا كيف يمكن أن تستفيد المشروعات الصغيرة وتستغل مرونتها الفائقة في تلبية احتياجات البشر، وكيف تلعب دورًا هامًا في التنمية ودورًا أخطر في الاقتصاد؟، وهل كانت تستطيع أن تلعب هذه الأدوار الهامة، دون وعي ومعرفة وفهم لماهية التنمية وماهية الاقتصاد؟.

أما الدعوى لـ”المعرفة”، فكما أسلفنا ليس لأنها نهاية المطاف، بل لأنها طريق “للفهم” الذي هو طريق “للحكمة” التي لا يوجد رائد أعمال لا يستهدفها أو يسعى إليها؛ إذ إنها تعني: صواب الرأي والقرار.
ويساعدنا “الفهم الصحيح” على حسن التفكير؛ وبالتالي يمكن أن يكون لرائد الأإعمال “الفاهم” قدرات فكرية عالية؛ أي ينتج “فكرًا”؛ أي يكون بشكل أو بآخر “مفكرًا”؛ أي “مبدعًا”، وللإبداع- الذي هو أهم صفات رائد الأعمال- ثلاث خواص: أن يرى ما لا يراه الآخرون، و أن يفكر فيما لا يفكر فيه الآخرون، وأن يتصرف بخلاف ما يتصرف به الآخرون.

و”الإبداع” هو السلاح الرئيس رائد الأعمال، والذي يتيح له القدرة على الربط بعلاقات جديدة بين الأشياء، فحروف وحركات السلم الموسيقي محدودة، لكن الموسيقار(المبدع) هو من يولِّد علاقات جديدة بين الحروف والحركات والنغمات الموسيقية.
كذلك، حروف العربية 28 حرفًا، والشاعر المبدع هو من يولِّد كلمات من الحروف تولِّد معانٍ ومشاعر وأحاسيس، يعجز كل حرف، وكل كلمة، وكل جملة بمفردها عن توليدها.
إنَّ “المعرفة العميقة” توسع البدائل والخيارات أمام المبدع، فإذا كان أمام الشاعر 28 حرفًا فقط، فأمام “رائد الأعمال” معارف لا نهائية، تولِّد مئات الأفكار، ومعارف أخرى تمكنه من الربط بين الأفكار؛ للخروج بأفكار جديدة للسوق وللتنمية وللاقتصاد.
هناك ثلاثية أو متوالية مهمة تتمثل في: الوعي ← الإدراك ← الفعل

فـ”الوعي” وحده غير كافٍ لحركة الإنسان نحو الصواب أو الإنجاز، بل لابد من “الإدراك”؛ الذي هو درجة أعلى من “الوعي”، فـ”الوعي” حسي، بينما “الإدراك” لمسي، فعندما يري الطفل النار لأول مرة، ربما “حس” حرارتها، لكن عندما يلمسها، يدرك خطورتها.
البشرية كانت على “وعي” منذ مئات السنين بخطورة استنزاف الموارد، وتلويث البيئة؛ حتى بدأت التغيرات المناخية Climate changes في الظهور، وحينها أدركت البشرية الخطورة، فبدأ الإنسان الحركة لوقف الخطر، فتم عقد الاتفاقيات الدولية؛ أي لم تبدأ الحركة بعد “الوعي”، بل بعد “الإدراك”.

“الإدراك” يعني في بعض معانيه “الفهم”، والإنسان لن يتحرك نحو الصواب، دون إدراك؛ أي دون “فهم”؛ لذا كان اهتمامنا دائمًا- وأتمنى أن تكونوا معي- بالمعرفة والفهم معًا.
يتردد مئات المرات، أن الحروب القادمة .. هي “حروب مياه “.. ووطننا العربي كله يعاني “فقر المياه” .. نعم المملكة العربية السعودية من أكثر دول العالم إنتاجاً واهتماماً بتحلية المياه Water desalination .. لكن أين مراكز بحوث التحلية العربية .. أين جهود “ربط الطاقة الشمسية بتحلية المياه” .. ومع أن الأمارات العربية المتحدة تملك أكبر شركة للطاقة الشمسية (مصدر).. لا توجد تقنية عربية بعد للطاقة الشمسية.
لو أحصينا كم هو عدد الخبراء والمدربين الأجانب في كرة القدم العربية – وهو مطلوب – في وطننا العربي، لربما كانوا عشرات الآن ، لكن هم أكيد “مئات الخبراء” خلال العقد السابق (عشر سنوات سابقة)، مقابل هذا.. كم “خبير دولي تعاقدنا معه في تحلية المياه أو الطاقة الشمسية أو تحلية المياه من الطاقة الشمسية.. ربما كلنا لدينا وعي بأهمية “تحلية المياه” من البحار التي حولنا.. وبالطاقة الشمسية التي كرمنا بها الله سبحانه وتعالي أكثر من غيرنا.. لدينا “وعي” دون شك.. لكن “الإدراك” وحده هو الذي سيدفعنا لأن يكون وطننا العربي هو مصدر البشرية الأساسي “لتكنولوجيا تحلية المياه بالطاقة الشمسية”.. من يملك غذائه يملك إرادته.. والماء هو كل شئ حي.. وفوق ذلك لدينا طاقة البترول والغاز (غذاء الحضارة والآلة)..
إذا كانت هذه الإجابة كافية لصديقي.. هل يمكن العودة “للفكر” و”التفكير”.

عزيزي القارئ.. عزيزي المفكر
لدى قضيتان.. أو موضوعان.. نفكر فيهما معاً ونبحث عن إجابة.. هل نحاول..

“إبقوا معنا”

 

الرابط المختصر :

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

ريادة الأعمال الاجتماعية.. سلاح المجتمعات لمواجهة التحديات

تُعتبر ريادة الأعمال الاجتماعية، من أبرز الأسلحة الحديثة التي تعتمد عليها المجتمعات العربية والدولية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.