دعهم يسرقون فكرتك

“يوريكا.. يوريكا.. وجدتها.. وجدتها”، هكذا صاح، بعد أن تولدت في خاطره فكرة مشروع صغير، غير مسبوق بعد ما أقنع نفسه بذلك. لم ينشغل بكيفية إخراج الفكرة إلى حيز التنفيذ، بل شغله خشية قيام آخرين بسرقتها وتنفيذها. هذا ما رأيته كثيرًا، من رواد أعمال يعيشون صراعًا متناقضًا؛ إما بحبس الفكرة في الأدراج خوفًا من سرقتها، أو إطلاق سراحها؛ ما يجعلها عُرضة لاقتناصها من آخرين.

لكن لماذا يخشى رائد الأعمال، الإفصاح مبكرًا عن فكرته؟!، ربما لأنه ليس بحوزته سوى فكرته، ولا يمتلك غيرها من مقومات المشروع؛ مثل التمويل، وفريق العمل، والعملاء المحتملين، والأسواق المستهدفة، وغيرها من المقومات والأسباب.

إن الفكرة الرائعة ليس لها قيمة، طالما بقيت حبيسة الأدراج، فقيمتها الحقيقية تظهر حينما تخرج إلى حيز التنفيذ منتجًا أو خدمةً تغزو الأسواق؛ لذلك أؤمن دومًا بأن أفضل حماية لفكرتك هي “تنفيذها”، فلا تُضيع وقتًا طويلًا، فلمعظم الأفكار تاريخ صلاحية، وما يصلُح تنفيذه اليوم، قد لا يصلح غدًا.

يزعُم معظم من عرضوا أفكارهم، أنها غير مسبوقة، بينما الواقع بخلاف ذلك؛ إذ يتجاهلون أنه ربما فكر شخص ما، في مكان ما من العالم، وفي زمن سابق، بنفس الفكرة، سواء أدركنا ذلك، أو لم ندركه.

كذلك، ليس تنفيذ الفكرة بالأمر الهين، وربما يتطلب مزيدًا من التجريب، أو الاحتضان لسنوات؛ لضمان خروج الفكرة أو المنتج إلى حيز التنفيذ بنجاح، ففكرة عظيمة وناجحة؛ مثل جوجل لم تكن غير مسبوقة، بل سبقها من محركات البحث ويب كراولر، ولايكوس، وألتافيستا، وياهو، وإكسايت، وأسك جيفز وغيرها، لكنَّ البقاء كان لمن استفاد من أفكار سابقيه وطورها، وبنى عليها أدوات ونماذج ناجحة.

السؤال هنا: كيف تعرض فكرتك على الآخرين؟! الإجابة في مقال سابق لي هنا بعنوان “دقيقة بالمصعد”، عرضت فيه ثماني نقاط يجب تغطيتها في ثلاث أو خمس دقائق، عند عرض فكرتك على المستثمرين، ولجان تحكيم المسابقات، والذين قد ورد لهم غالبًا أفكار أخرى مماثلة لفكرتك.

من المهم أن تبذل بعض الجهد؛ لتتأكد من وجود مشروعات مشابهة، أو بديلة لفكرتك، فلا يعيبك أن يكون لك منافسون، بل العيب ألا تطور نموذجًا لتلافي العيوب والأخطاء التي وقعوا فيها.

اعرض فكرتك، بشكل إجمالي، ولا تتحدث في التفاصيل الدقيقة، فقد قال العرب: “المعنى في بطن الشاعر”، وقال الغرب: “الشيطان يكمُن في التفاصيل”. مثال: عندما يكون لديك فكرة حول تحسين أداء مُكيف السيارة، فلا تشرح الآلية وطبيعة الأجهزة والمعدات، بل ركز على بيانات؛ مثل: أرقام ونِسب التوفير في الطاقة، واستهلاك الوقود، ودرجة الحرارة، دون ذِكر كيفية ذلك من الناحية الفنية. دعهم يسرقون فكرتك، فلن يستطيعوا تنفيذها بدونك.

احرص على التعامل مع من تعرض عليهم فكرتك بصورة مكتوبة؛ عبر البريد الإلكتروني، والواتس آب، والماسنجر، وغيرهم إن أمكن؛ فذلك الخطاب سيكون بمثابة إثبات رسمي لما دار بينكم.

أذكر أنني في مايو 2002 ، أعددت كتابًا بعنوان: “دليل الاختراعات وفرص الاستثمار”، تضمَّن 173 اختراعًا وابتكارًا وفكرةً مقرونة بصُوَر أصحابها ووسائل الاتصال بهم؛ لحمايتهم جزئيًا؛ إذ تحفظ هذه المطبوعة حقوقهم وملكيتهم الفكرية لستة أشهر؛ حتى يتسنى لهم تسجيلها، والتقدم للحصول على براءات الاختراع لما يستحق من تلك الأفكار والابتكارات.

لا أتفق مع من يبيح لنفسه القرصنة، أو سرقة أفكار غيره، وأُذكره بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه”، وقد ذكر العلماء أن العِلم الذي يُنتفع به بنص الحديث الشريف هو من عمل الإنسان نفسه، وليس من غيره، وإذا كان يبقى له أجره في الآخرة، فكذلك ينبغي إذا كان له مستحقات دنيوية أن تبقى له أو لورثته من بعده؛ فهذا الحديث يمكن الاعتماد عليه في تأصيل مسألة حماية الأفكار وحقوق الملكية الفكرية.

الرابط المختصر :

عن نبيل محمد شلبي

الدكتور نبيل محمد شلبي، خبير دولي في نشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة بالهندسة الصناعية من كلية الهندسة بجامعة المنصورة. كتب مئات المقالات التي تستهدف تنمية الشباب وتوجيه بوصلتهم نحو المستقبل بالعمل والإنتاج. مؤسس ورئيس دار المستثمر العربيArab Entrepreneur House للخدمات الاستشارية. يتمتع بخبرة واسعة في تقديم حلول مبتكرة للحكومات والمؤسسات والمنظمات غير الربحية والجامعات بالعديد من الأقطار العربية في تصميم وتنفيذ وقياس ومراقبة برامج الابتكار ونشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ألف 32 كتابًا، منها الكتاب الأكثر مبيعًا "ابدأ مشروعك ولا تتردد"، الذي طبع ست مرات، واختير كمنهج لريادة الأعمال في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية. صمم أول خريطة تفاعلية للبيئة الداعمة الإيكوسيستم لريادة الأعمال في مصر تضم 236 جهة في إصدارها الخامس، حصل بسببها على الجائزة العالمية "الفكرة الأكثر إبداعًا" من المجلس الدولي للمشروعات الصغيرة. صمم ونفذ مئات البرامج التدريبية في ريادة الأعمال، للبادئين والمبتكرين وأصحاب ومديري المنشآت الصغيرة القائمة، تخرج منها المئات من رواد ورائدات الأعمال العرب. تتضمن الأنشطة التي يقوم بها، إعداد مناهج تعليم ريادة الأعمال بالجامعات العربية، وتدريب المدربين في هذا المضمار من أساتذة الجامعات. قدم أكثر من ثمانية آلاف استشارة لرواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة. عمل مديرًا لأول حاضنة تكنولوجية داخل حرم جامعي في مصر، وأسس وأدار أول مركز تنمية منشآت صغيرة بالسعودية، وصمم أول برنامج لتأهيل المصانع الصغيرة والمتوسطة بالسعودية، وصمم أول حاضنة تكنولوجية في الخليج العربي، وصمم جوائز للأفضل أداءً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبرامج كمبيوتر لتشخيص المنشآت الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية. يكتب الدكتور نبيل، مقالات دورية في مجلة "رواد الأعمال" ومجلة "الاقتصاد" التي تصدرها غرفة الشرقية بالسعودية، ومجلة "لغة العصر" التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية. يدرس لطلاب الهندسة بمعهد مصر العالي للهندسة والتكنولوجيا (السلاب)، وطلاب الدراسات العليا بمعهد تكنولوجيا المعلومات (ITI)، وطلاب برنامج الهندسة الطبية بكلية الهندسة بجامعة المنصورة. اختير ضمن أفضل مائة شخصية بالعالم في مجال الإبداع وريادة الأعمال من منظمة "إنتوفيجن" الأمريكية، واختير مستشار بناء قدرات ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة لـ 57 دولة أعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي. تم تكريمه في أمريكا وماليزيا وأيرلندا والعديد من البلدان العربية والأجنبية.

شاهد أيضاً

النَّحو..غرائب وطرائف (4/4)

ونستمرُّ في سِّلسلة “النحو..غرائب وطرائف”؛ باستعراض ظواهر غريبة في النَّحو، وظواهر طريفة، تمتع العقل: 1. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.