دروس من أصحاب الأصفار التسعة (3-3)

نختم حديثنا حول بعض رجال الأعمال العرب الناجحين، الذين ذكرنا منهم محمود العربي، وأنسي ساويرس من مصر، وعبد الرحمن الجريسي من السعودية، وراشد الزياني من البحرين، وسعود بهوان من عُمان؛ إذ تتضح الدروس جلية من مسيرة المزيد من هؤلاء الناجحين:

صَالِـــحْ الَراجْــحِـــي.. بدأ حياته التجارية من الصفر، ولم يكن في خلده أن يكون ثراؤه بهذا الحجم! قال: “كنت أعمل في الصباح والمساء وأبيع وأشتري بمنتجات بسيطة كالمفاتيح والأقفال وبعض الخردوات، فقادني ذلك إلى الإمساك بمفاتيح أحد أكبر الخزائن والبنوك بالسعودية؛ حيث كنت أجلس في إحدى الساحات بمدينة الرياض لأستبدل العملة؛ إذ كان الناس يتهافتون عليَّ للصرافة البسيطة جدًا”.

وبعد نجاحه في هذا المجال، افتتح الراجحي أول محل للصرافة عام 1366هـ، ومنه انطلقت مجموعة الراجحي التي أصبحت الآن إمبراطورية مالية، لم يرغب أن يعلن عن رقم محدد لها.

سُلَيْـمَـانَ العُـلَــيّـــان.. مؤسس مجموعة العليان بالسعودية، والتي تضم حوالي 30 شركة.

بدأ نشاطه في عام 1947؛ بتأسيس شركة مقاولات، ثم انطلق في توسيع وتنويع استثماراته التجارية والاقتصادية.

يقول العُـلَــيّـــان: “كنت سعيدًا في وظيفتي بشركة أرامكو؛ كرئيس لقسم الترجمة، فكان راتبي مرتفعًا بالقياس إلى رواتب ذلك الوقت (411 ريالًا شهريًا) وأذكر أنه عند طرح مشروع مد خط أنابيب النفط، ذهبنا إلى مكان اسمه رأس مشعاب؛ لكي نوضح لبعض المقاولين مواصفات المشروع. وفي طريق العودة وجدت نفسي أفكر في المشروع، الذي كنت قد قرأت عنه في بعض المطبوعات الإنجليزية، وعرفت أهميته؛ إذ رصد له 25 مليون دولار في عام 1940.

حينها، خطر لي- وكنت شابًا صغيرًا، لا زوجة لي ولا ولد، وكنت أعيش مع جدتي، بمصروف لا يتجاوز 50 ريالاً شهريًا- أن أخوض التجربة بأخذ مقاولة هذا المشروع. وبالفعل، تكلمت مع أرامكو فرحبوا، وشجعوني، وباشرت العمل كمستقل، فأخذت أول مناقصة؛ وكانت تنزيل بضائع، ثم توالت المقاولات، وهكذا دخلت المشروع وليس عندي سوى بيت في الخبر رهنته مقابل 8 آلاف ريال لأتدبر أمري.

حَــمَــدْ عَـبْــدَاللّه الــزَامِـلْ وإِخْـوانِــــه.. نموذج استثنائي ناجح، ليس لشخص واحد ولكن لاثني عشر أخًا، جميعهم كانوا طلاب علم يحتاجون للرعاية، حين رحل عنهم والدهم في عام 1962. انتقلت المسؤولية لأخيهم الكبير محمد، ليحمل العبء ويتحمل الرسالة.

كانت البداية ورشة ألومنيوم بالشراكة بين الإخوة وخالهم علي. بعد فترة، قرر الخال إنهاء الشراكة، وخيّرهم بين المصنع أو قطعة أرض كانوا قد اشتروها مشاركة معه. كان القرار استراتيجيًا، لم يفكر فيه الإخوة كثيرًا، فاختاروا المصنع لتكون الصناعة قدرهم ومصيرهم.

بدأ الإخوة يفكرون في إقامة مصنع مكيفات، فاتصلوا بأسماء لامعة في عالم صناعة المكيفات ظنًا منهم أنهم سيرحبون بهم وبمشاركتهم، لكنهم صدموا بعدم موافقة الجميع على طلبهم.

وبمزيد من المثابرة، تعاقد الإخوة مع شركة مكيفات صغيرة في تكساس، لم يسمع بها أحد؛ وهي شركة فردريك التي قبلت أن يستخدم الإخوة اسمها وتقنياتها؛ لإنتاج أول وحدة مكيف شباك سعودية.

لم أجد أجمل مما قاله الدكتور عبد الرحمن الزامل؛ أحد الإخوة، ورئيس مجلس الإدارة فـي إحدى الندوات: “كم كان الله لنا معينًا وسندًا، عندما خلطنا دماءنا في وعاء مجموعتنا؛ حتى لم يعد أي منا يقدر على التمييز، كما لم يقل أحد منا همسًا ولا علنًا هذه شركتي أو هذا مصنعي، بل أقرر حقيقة أننا لم نجلس يومًا كأخوة يحاسب أحدنا الآخر بغرض القسمة أو التوزيع. لقد كانت هذه مبادئُنا، ولازالت وسوف تستمر، فلا نجاح دون مخافة الله، ولا تقدُّم دون دفع الحقوق كاملة.

د. نبيل محمد شلبي
[email protected]

الرابط المختصر :

عن نبيل محمد شلبي

الدكتور نبيل محمد شلبي، خبير دولي في نشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة بالهندسة الصناعية من كلية الهندسة بجامعة المنصورة. كتب مئات المقالات التي تستهدف تنمية الشباب وتوجيه بوصلتهم نحو المستقبل بالعمل والإنتاج. مؤسس ورئيس دار المستثمر العربيArab Entrepreneur House للخدمات الاستشارية. يتمتع بخبرة واسعة في تقديم حلول مبتكرة للحكومات والمؤسسات والمنظمات غير الربحية والجامعات بالعديد من الأقطار العربية في تصميم وتنفيذ وقياس ومراقبة برامج الابتكار ونشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ألف 32 كتابًا، منها الكتاب الأكثر مبيعًا "ابدأ مشروعك ولا تتردد"، الذي طبع ست مرات، واختير كمنهج لريادة الأعمال في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية. صمم أول خريطة تفاعلية للبيئة الداعمة الإيكوسيستم لريادة الأعمال في مصر تضم 236 جهة في إصدارها الخامس، حصل بسببها على الجائزة العالمية "الفكرة الأكثر إبداعًا" من المجلس الدولي للمشروعات الصغيرة. صمم ونفذ مئات البرامج التدريبية في ريادة الأعمال، للبادئين والمبتكرين وأصحاب ومديري المنشآت الصغيرة القائمة، تخرج منها المئات من رواد ورائدات الأعمال العرب. تتضمن الأنشطة التي يقوم بها، إعداد مناهج تعليم ريادة الأعمال بالجامعات العربية، وتدريب المدربين في هذا المضمار من أساتذة الجامعات. قدم أكثر من ثمانية آلاف استشارة لرواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة. عمل مديرًا لأول حاضنة تكنولوجية داخل حرم جامعي في مصر، وأسس وأدار أول مركز تنمية منشآت صغيرة بالسعودية، وصمم أول برنامج لتأهيل المصانع الصغيرة والمتوسطة بالسعودية، وصمم أول حاضنة تكنولوجية في الخليج العربي، وصمم جوائز للأفضل أداءً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبرامج كمبيوتر لتشخيص المنشآت الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية. يكتب الدكتور نبيل، مقالات دورية في مجلة "رواد الأعمال" ومجلة "الاقتصاد" التي تصدرها غرفة الشرقية بالسعودية، ومجلة "لغة العصر" التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية. يدرس لطلاب الهندسة بمعهد مصر العالي للهندسة والتكنولوجيا (السلاب)، وطلاب الدراسات العليا بمعهد تكنولوجيا المعلومات (ITI)، وطلاب برنامج الهندسة الطبية بكلية الهندسة بجامعة المنصورة. اختير ضمن أفضل مائة شخصية بالعالم في مجال الإبداع وريادة الأعمال من منظمة "إنتوفيجن" الأمريكية، واختير مستشار بناء قدرات ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة لـ 57 دولة أعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي. تم تكريمه في أمريكا وماليزيا وأيرلندا والعديد من البلدان العربية والأجنبية.

شاهد أيضاً

فن إدارة التحديات

فن إدارة التحديات

امتلأت أرفف المكتبات وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ومنصات المحاضرات العربية والعالمية بكثير من المخرجات، التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.