دروس من أصحاب الأصفار التسعة (2-3)

استكمالًا لحديثنا عن رجال الأعمال العرب الناجحين، الذين ذكرنا منهم محمود العربي، وأنسي ساويرس من مصر، وعبد الرحمن الجريسي من السعودية، نواصل استنباط الدروس من مسيرة هؤلاء الناجحين:

رَاشِـــدْ الــــزَيَّـــانِـي
ما زلت أفتخر بمؤلفاته التي أهداني إياها قبل رحيله بسنوات، ففي أواخر العشرينيات في البحرين، ورث راشد الزياني ثلاثة أشياء: ديونًا متراكمة على والده ليس لها مقابل لتسديدها، ومسؤولية إعاشة عائلة كبيرة تزيد على ثلاثين شخصًا، وضرورة الحفاظ على مركز العائلة الاجتماعي كتجار لؤلؤ مرموقين.

أتقن الزياني مهنة آبائه في قارب صغير لشراء اللؤلؤ من أعالي البحار، بعد أن باع والده العقار والسفينة؛ لسداد جزء من الديون المتراكمة عليه، فوضع ميزانية تقشف صارمة لعائلة كبيرة اعتادت العيش الرغيد؛ فاجتهد في العمل بديوان الحكومة بوظيفة سكرتير؛ فكان يعمل صباحًا ويباشر عمله التجاري مساءً.

كرَّس الــــزَيَّـــانِـي جهوده في تعلم الترجمة والطباعة العربية والإنجليزية؛ حتى زاد راتبه إلى 12 دينارًا (حوالي 30 دولارًا)، تمكن بعدها من توفير 80 دينارًا، دخل بها في صفقة تجارية محسوبة؛ ليتحول المبلغ إلى 200 دينار.

بعد مرور عام تضاعف المبلغ ست مرات؛ ليصل إلى 1200 دينار، ثم اتخذ القرار الذي غيَّر مجرى حياته؛ بالاستقالة من وظيفته الآمنة؛ ليتفرغ للعمل التجاري.
تدرج من بيع المواد الاستهلاكية، إلى الأدوات المكتبية، إلى الأحذية، إلى الأثاث، ثم دخل مجال السيارات والمعدات، وانتشرت فروعه في كل دول الخليج والعراق.

تنوع النشاط وأصبح يضم فنادق ومصانع، وزادت الأرباح إلى ملايين الدنانير البحرينية سنويًا؛ ليصبح تاجر اللؤلؤ؛ صاحب القارب الصغير الذي لا يتسع إلا لشخصين، رئيسًا لعشرات المشروعات الصناعية والخدمية.

سُـــعُـودْ بَــهْــوَانْ
اشترى عددًا كبيرًا من مؤلفاتي في مجال ريادة الأعمال، وأهداها لشباب وطنه في سلطنة عمان. إنه عصامي من طراز فريد؛ فكان في الوقت الذي يلعب فيه معظم الأطفال بالدُمى، يُبحر – وهو طفل في التاسعة من عمره- في قارب خشبي صغير، قاصدًا البحار البعيدة؛ للوصول إلى مومباي في الهند، مرافقًا والده بحمولة من السمك المجفف والتمر.

كانت هذه هي رحلة سُـــعُـودْ بَــهْــوَانْ البكر إلى عالم التجارة؛ ليدرك الفتى اليافع -بفطرته وحسه التجاري- بعد سنوات قليلة، أن كسب المال يتطلب قيامه بعمليات تجارية خاصة به، ويديرها باستقلالية مطلقة.

قرر بَــهْــوَانْ شراء القارب الصغير من والده، ولما لم يكن يملك المال الكافي، اتفق مع والده بأن يسدد قيمة المركب من الأرباح التي كان واثقًا من تحقيقها.
كان ينقل المسافرين بانتظام بين ظفار ومسقط، بجانب الاتجار في السمن ومنتجات الألبان. وخلال عام ونصف العام، حقق أرباحًا طائلة، وسدد لوالده قيمة المركب كاملة.

وفي إحدى رحلاته لإفريقيا- وبعد بيع كل حمولته من الأخشاب وغيرها- فقد كل ما معه من مال؛ ليجد نفسه في بلد غريب، دون مال، فما كان منه إلا أن قام باقتطاع الأشجار وبيع الحطب؛ ليجمع مالًا يمكنه من العودة إلى بلاده.

امتلك بَــهْــوَانْ العديد من الشركات التي تضم آلاف الموظفين، ومئات الفروع، وملايين الأصناف. وقد سئل -رحمه الله- عن هذه الرحلة الطويلة وسر نجاحه فقال: “تذكروا دائمًا، قوله تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ”، وتذكروا أيضًا قاعدة المثابرة الذهبية: “حاول، وحاول المرة تلو المرة؛ حتى يتحقق لك النجاح”.

وللحديث بقية بمزيد من الدروس، من أعضاء آخرين في نادي المليارديرات..

الرابط المختصر :

عن نبيل محمد شلبي

الدكتور نبيل محمد شلبي، خبير دولي في نشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة بالهندسة الصناعية من كلية الهندسة بجامعة المنصورة. كتب مئات المقالات التي تستهدف تنمية الشباب وتوجيه بوصلتهم نحو المستقبل بالعمل والإنتاج. مؤسس ورئيس دار المستثمر العربيArab Entrepreneur House للخدمات الاستشارية. يتمتع بخبرة واسعة في تقديم حلول مبتكرة للحكومات والمؤسسات والمنظمات غير الربحية والجامعات بالعديد من الأقطار العربية في تصميم وتنفيذ وقياس ومراقبة برامج الابتكار ونشر ثقافة ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ألف 32 كتابًا، منها الكتاب الأكثر مبيعًا "ابدأ مشروعك ولا تتردد"، الذي طبع ست مرات، واختير كمنهج لريادة الأعمال في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية. صمم أول خريطة تفاعلية للبيئة الداعمة الإيكوسيستم لريادة الأعمال في مصر تضم 236 جهة في إصدارها الخامس، حصل بسببها على الجائزة العالمية "الفكرة الأكثر إبداعًا" من المجلس الدولي للمشروعات الصغيرة. صمم ونفذ مئات البرامج التدريبية في ريادة الأعمال، للبادئين والمبتكرين وأصحاب ومديري المنشآت الصغيرة القائمة، تخرج منها المئات من رواد ورائدات الأعمال العرب. تتضمن الأنشطة التي يقوم بها، إعداد مناهج تعليم ريادة الأعمال بالجامعات العربية، وتدريب المدربين في هذا المضمار من أساتذة الجامعات. قدم أكثر من ثمانية آلاف استشارة لرواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة. عمل مديرًا لأول حاضنة تكنولوجية داخل حرم جامعي في مصر، وأسس وأدار أول مركز تنمية منشآت صغيرة بالسعودية، وصمم أول برنامج لتأهيل المصانع الصغيرة والمتوسطة بالسعودية، وصمم أول حاضنة تكنولوجية في الخليج العربي، وصمم جوائز للأفضل أداءً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبرامج كمبيوتر لتشخيص المنشآت الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية. يكتب الدكتور نبيل، مقالات دورية في مجلة "رواد الأعمال" ومجلة "الاقتصاد" التي تصدرها غرفة الشرقية بالسعودية، ومجلة "لغة العصر" التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية. يدرس لطلاب الهندسة بمعهد مصر العالي للهندسة والتكنولوجيا (السلاب)، وطلاب الدراسات العليا بمعهد تكنولوجيا المعلومات (ITI)، وطلاب برنامج الهندسة الطبية بكلية الهندسة بجامعة المنصورة. اختير ضمن أفضل مائة شخصية بالعالم في مجال الإبداع وريادة الأعمال من منظمة "إنتوفيجن" الأمريكية، واختير مستشار بناء قدرات ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة لـ 57 دولة أعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي. تم تكريمه في أمريكا وماليزيا وأيرلندا والعديد من البلدان العربية والأجنبية.

شاهد أيضاً

دمت بخير يا وطني

دمت بخير يا وطني

نحمد الله ونشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى؛ فنعمة الأمن في الأوطان من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.