تشهد الأسواق العالمية حالة من الترقب المشوب بالحذر مع اقتراب الاجتماع المرتقب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وسط آمال متزايدة في أن يقدم المجلس على خفض الفائدة هذا الأسبوع، وذلك بعد أشهر من التضخم المتذبذب والتقلبات الحادة في أسواق السندات.
وفي هذا الإطار، تشير البيانات الأولية والعقود الآجلة إلى أن الأسواق تسعّر احتمالًا مرتفعًا يصل إلى 86% لخفض ربع نقطة من معدل الفائدة البالغ حاليًا بين 3.75% و4.0%؛ ما يعكس توقّعًا قويًا بأن قرار خفض الفائدة قد يكون شبه محسوم.
ووفقًا لوكالة “رويترز”، فإن استطلاعًا شمل 108 محللين أظهر أن 19 منهم فقط توقعوا تثبيت الفائدة. بينما رجّحت الغالبية العظمى اتخاذ خطوة نحو خفض الفائدة؛ ما يعزز حالة التفاؤل الحذر السائدة في الأسواق الدولية.
ورغم هذه التوقعات، لا يزال الانقسام داخل الفيدرالي قائمًا؛ إذ يُرجّح خبراء أن يشهد الاجتماع معارضات لافتة ووجهات نظر متباينة. ما يؤكد أن الوصول إلى قرار نهائي بشأن خفض الفائدة لن يكون مهمة سهلة، لا سيما في ظل التضارب المستمر بين مؤشرات التضخم وأرقام التوظيف.
خلافات داخل “الفيدرالي”
وتشير تحليلات مؤسسات مالية كبرى، من بينها “جي بي مورجان”، إلى أن الاجتماع المرتقب قد يشهد معارضتين أو أكثر لقرار الخفض. وهو رقم غير معتاد تاريخيًا؛ حيث لم تشهد اجتماعات الفيدرالي ثلاثة معارضين أو أكثر منذ عام 2019. ومع ذلك، يرى خبراء الاقتصاد أن المسار العام للسياسة النقدية لا يزال يميل نحو مزيد من التيسير. لا سيما مع بوادر ضعف في سوق العمل الأمريكي واعتدال معدلات التضخم. ما يفتح الباب أمام خطوة إضافية من خفض الفائدة خلال شهر يناير المقبل.
وتتوقع مؤسسات اقتصادية أن يعقب خفض ديسمبر -إن تم- فترة توقف طويلة تمتد حتى منتصف العام المقبل؛ حيث تشير بيانات الأسواق إلى أن التيسير النقدي الإضافي قد لا يُسعّر بالكامل قبل يوليو. وتبدو هذه التوقعات منطقية بالنظر إلى رغبة الفيدرالي في تجنّب أي إشارات مبالغ بها نحو التحفيز. منعًا لعودة الضغوط التضخمية التي عانى منها الاقتصاد العالمي خلال العامين الماضيين.
وعلى صعيد متصل، تتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماعات البنوك المركزية الأخرى في كل من كندا وسويسرا وأستراليا. وإن كانت التوقعات تشير إلى اتجاهها نحو تثبيت أسعار الفائدة. على خلاف المسار الأمريكي الذي يهيمن عليه الحديث عن خفض الفائدة وتأثيراته المحتملة على الأسواق الدولية.

تفاعل الأسواق الآسيوية والدولية
وشهدت الأسواق الآسيوية حركة متفاوتة؛ إذ تماسك مؤشر نيكاي الياباني بعد ارتفاع محدود الأسبوع الماضي. بينما سجلت الأسهم الكورية الجنوبية صعودًا ملحوظًا متأثرة بخفض الرسوم الأمريكية على صادراتها. كما ارتفع مؤشر MSCI لآسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة طفيفة. في حين حققت الأسهم الصينية مكاسب قوية بعد تسجيل صادراتها زيادة فاقت التوقعات، على الرغم من استمرار ضعف الطلب المحلي.
وتزامن ذلك مع تصاعد التوترات الإقليمية، سواء بين الصين واليابان أو بين تايلاند وكمبوديا؛ ما أضاف طبقة إضافية من عدم اليقين الجيوسياسي الذي يؤثر بطبيعة الحال على مسار الاستثمارات العالمية. ولا سيما تلك المرتبطة بسوق السلع.
وأما في أوروبا، فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشر يورو ستوكس 50 وفوتسي بنسب طفيفة. بينما استقرت عقود مؤشر داكس الألماني، رغم حالة الحذر المرتبطة بقرار الفيدرالي الذي قد يشكّل نقطة تحول مؤثرة في أسواق الديون الأوروبية.
وفي أسواق السندات الأمريكية، بقيت عوائد السندات طويلة الأجل تحت ضغط، وسط مخاوف من إصدار الفيدرالي توجيهات متشددة حتى لو اتخذ قرار خفض الفائدة الفيدرالي بالفعل. ويأتي ذلك على خلفية ارتفاع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بأكثر من 9 نقاط أساس الأسبوع الماضي. ما ساعد الدولار على الحد من خسائره مقارنة بالين واليورو.
السلع تستفيد من توقعات الخفض
ساهمت التوقعات المتزايدة بشأن خفض الفائدة الفيدرالي في دعم أسعار السلع بشكّل عام؛ حيث سجّل النحاس مستويات قياسية مدفوعًا بزيادة الطلب المرتبط بتوسع مشاريع البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي عالميًا. إلى جانب انخفاض المعروض.
كما حافظ الذهب على تداولاته قرب أعلى مستويات تاريخية بعدما لامس 4,259 دولارًا للأوقية. فيما واصلت الفضة اقترابها من مستويات قياسية جديدة.
وعلى الجانب الآخر، استفادت أسعار النفط من احتمالات تراجع الفائدة، إضافة إلى حالة عدم اليقين في الإمدادات القادمة من روسيا وفنزويلا. ما دفع خام برنت لتسجيل ارتفاع طفيف إلى 63.84 دولار للبرميل، بينما صعد الخام الأمريكي إلى 60.17 دولار.
وتمثل هذه التحركات مجتمعة صورة واضحة لتأثير توقعات خفض الفائدة الفيدرالي على مختلف الأسواق العالمية. من عملات وسندات إلى سلع وأسهم. ما يجعل القرار المنتظر من الفيدرالي هذا الأسبوع أحد أهم القرارات الاقتصادية خلال العام الجاري.


