المنشأة الريادية الحديثة

خارطة طريق لتعزيز استمرارية المنشأة الريادية الحديثة

تتعرض المنشأة الحديثة لنسب احتمالات عالية للخروج من السوق تصل في المتوسط إلى 66% بنهاية السنة الخامسة، وتتأرجح مخاطرها بين مجهولة ومعلومة المصدر؛ ما يعني أن النجاح يتطلب جهدًا إضافيًا ومستمرًا في التحليل والمراقبة والاستقلالية وتجنب القرارات العشوائية. في هذا المقال نسلط الضوء على منشأ الأزمات المالية وكيفية الاستعداد المسبق لها؛ وذلك لرفع درجة مقاومة بقاء الكيان واستمراريته.

يمكن التعرض لمنشأ الأزمات من زاويتين رئيسيتين، وهما: المخاطر المنظامية والمرتبطة بالبيئة الحاضنة للمنشأة و المخاطر غير النظامية، أو الخاصة بالمنشأة نفسها، وكليهما قد يكون:

1-مخاطر غير معلومة المصدر.

2-مخاطر وأزمات معلومة المصدر.

أولًا: المخاطر غير معلومة المصدر

ويُرمز لها في أدبيات المالية بـ “البجعة السوداء”، وتعني الأحداث النادرة وغير المتوقعة والتي لها أثر سلبي أو إيجابي عظيم ومؤثر في المنشأة، وبحكم أن الموضوع هنا يسلط الضوء على المخاطر فسنركز فقط على الأثر السلبي.

شرح نسيم طالب؛ الكاتب والباحث في علوم الرياضيات المالية، فكرته (البجعة السوداء) باستخدام نموذج التوزيع الطبيعي في الإحصاء؛ حيث إن 68% من الأحداث الطبيعية والعينات تتركز حول متوسطها والتي تقع بين عدد واحد انحراف معياري (STD) و95% و99.7% من الأحداث تقع بين 2 و3 STD على التوالي، علمًا بأن احتمالية ظهور الحدث تتضاءل كلما ابتعدت العينة عن المتوسط، وتبدأ بالندرة عند تجاوزها 3STD والرسم بالأسفل يبين نموذج التوزيع الطبيعي للأحداث أو العينات مع احتمالية درجة تكرارها.

المنشأة الريادية الحديثة

وتأتي المفارقة هنا؛ إذ إن العبرة ليست في احتمالية التكرار وإنما في تأثير الحدث وإن ندر، وغاب عن العقل الواعي الاستعداد للأحداث النادرة، لأن نزعته هي أن يتفاعل بشكل تلقائي مع الأحداث المتكررة ، فكوب الماء الزجاجي في مطعم يتعرض لمئات الضربات يوميًا دون تأثير فيه؛ لأنه مصمم لامتصاص تلك الضربات، لكن الحدث النادر الذي لم يُصمم له هو ارتطامه بالأرض، ويُبين الرسم، الذي باللون الأخضر باتجاه المحور السيني أو “x”، منطقة الأحداث النادرة.

المنشأة الريادية الحديثة

نجد في كثير من الأحيان أن الريادي جل تركيزه وقراراته مبنية على متوسط تكرار الأحداث، سواء اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية، كانخفاض معدل المبيعات أو ارتفاع نسبة المصروفات، ومراقبتها لعدم خروجها عن متوسط التذبذب الخاص بها، ولكن المنهك الحقيقي هو المفاجآت التي لم تكن في الحسبان، مثل حريق كامل للمشروع لا سمح الله.

وهنا نشير إلى أن نموذج التوزيع الطبيعي ربما يعمل بشكل أكثر فاعلية في مجال الفيزياء أو الطبيعيات منه في مجال الإنسانيات؛ بسب خلوها من ردود الأفعال غير المتوقعة الى حد ما وبالتالي يمكن استغلالها كأداة تنبؤ، ولكن يصعب استخدام نفس الأسلوب في مجال الإنسانيات، لأن نزعة الإنسان لردة الفعل تحركها البيئة المحيطة، والظروف الموضوعية والمتغيرات والتفاعلات اللا محدودة، فالعلاقات هنا غير خطية. المقلق في الموضوع أنه ما كان يُعتقد في كثير من الأحداث أنه “بجعة سوداء” لايمكن التنبؤ بها أصبحت اليوم _ومع زيادة الترابط العضوي بين البشر من خلال الاقتصاد أو الاتصال_ بجعة بيضاء، بمعنى أن ارتفاع درجة التواصل أدى إلى ارتفاع احتمالية درجة انتشار المخاطر وتكرارها، سواء الاقتصادية أو المالية أو الصحية، على سبيل المثال: تأثير أزمة كورونا حاليًا في البنية الاقتصادية، سواء على مستوى الدول أو الشركات أو المؤسسات الفردية أو المشاريع متناهية الصغر.

وهنا تكمن المعضلة، وهي: كيف يستعد رائد الأعمال للأحداث مجهولة المصدر والتي قد تعصف به وتدفعه نحو الإفلاس والديون المثقلة؟ أو بتعبير آخر: كيف يرفع الريادي درجة مقاومة المنشأة لمخاطر مجهولة المصدر؟

سنجيب عن هذا التساؤل بعد طرح المخاطر معلومة المصدر والمتمثلة في قرارات الإدارة والتي ربما تزيد المنشأة هشاشة وضعفًا.

ثانيًا: المخاطر والأزمات معلومة المصدر

هي المتمثلة في نموذج الأعمال أو الاستراتيجيات أو القرارات التكتيكية السريعة التي تتبناها المنشأة.

أ‌- نموذج الأعمال:

يُمثل نموذج الأعمال حجر الأساس في المنشأة، فالنموذج الضعيف سيضعف المنشأة حتى لو  كانت الإدارة قوية، والنموذج القوي سيعزز وضع المنشأة وإن كانت الإدارة متوسطة في أدائها.

فعلى سبيل المثال: يُعتبر قطاع المقاولات من أكثر القطاعات التي لا يستقر فيها الريادي بسبب ارتفاع الرافعة التشغيلية (ارتفاع المصروفات الثابتة والمتمثلة ببند الأجور) فالقطاع مغرٍ أثناء انتعاش الاقتصاد، أو حركة البناء نظرًا لثبات المصروفات التشغيلية، ولكن بمجرد التباطؤ أو التراجع تصبح المصروفات عبئًا على صاحب المؤسسة؛ ما يجبره على الخروج من السوق.

ومن النماذج التي يمكن أن نشير لها أيضًا نموذج We Work الذي اشتهر منذ 2010 وهي شركة تقدم خدماتها للرياديين الذين ليس لهم مقر؛ نتيجة حداثة دخولهم في السوق ورغبة منهم في التجربة بتكاليف تشغيلية غير مكلفة، وفي نفس الوقت الظهور أمام زبائنهم ومورديهم بشكل لائق؛ لذا تستأجر الشركة مباني في أماكن تجارية وذات حركة وتعيد إحياءها بشكل راقٍ من خلال الديكورات والمكاتب وغرف الاجتماعات وصالات الترفيه، ومن ثم تعيد تأجيرها لهؤلاء الرياديين.

جدير بالذكر أن “WW” لم تكن صاحبة الريادة في هذا المجال ولكن كانت صاحبة الشهرة فقط؛ حيث سبقها “Sam Zell” وهو مستثمر عقاري مخضرم وناجح، لكنه خسر مع هذا النوع من الأعمال؛ بل _والكلام لـ “اسوث دامودران” بمناسبة طرح الشركة في سوق الأسهم الذي لم تهنأ به_ لم ينجح أحد في هذا النوع من المشاريع منذ سنة 1956م.

سر الأزمة في نموذج الأعمال!

1. متوسط أقصر مدة تستأجرها الشركة هو 10 سنوات بينما متوسط أعلى مدة يستأجرها الريادي هي سنة واحدة، وهنا تكمن المفارقة؛ حيث إن الشركة مثقلة بالديون والالتزامات طويلة الأجل للايجارات مرتفعة القيمة، بينما الريادي التزاماته قصيرة الأجل جدًا مقارنة بالشركة التي سحبت المخاطر من بساط الريادي، وركزتها في نموذج أعمالها وكأنها تقول إن الاقتصاد نمو  ولن يتباطأ ولن يقل الطلب ويضعف، وأنها مستعدة لأداء الالتزامات طويلة الأجل مهما كان تقلب السوق.

2. كان طموح الشركة أن تتمدد بمقدار الضعف في 2019م؛ لذا استأجرت 500 موقع وكانت تتمدد بمقدار 100 ألف متر مربع شهريًا، على الرغم من أن نسبة نمو الاقتصاد العالمي والأمريكي كانت بمعدل 2.6% تقريبًا، وكأنها تريد أن تبتلع _من وجهة نظر رياضية_ الاقتصاد بفرض استمرارية النمو بهذه السرعة، بينما هي جزء ضئيل جدًا من منظومته، فالمعتاد أن الشركات تأخذ في الحسبان متوسط نمو الاقتصاد لدولة ومتوسط نمو القطاع والتمدد السكاني وهذا لم يُلاحظ في توسعات الشركة.

أضف إلى ذلك، هل تستطيع الشركة أن تنمو بهذه السرعة وهي متخمة بالديون مع ملاحظة حاجتها للوقت لإعادة الإحياء، والذي يحتاج إلى مايقارب العام، وأيضًا الوقت الكافي للوصول لكفاءة التشغيل؟

3. كانت الشريحة المستهدفة لدى شركة We Work “الرياديون الجدد”، وهؤلاء نسبة نجاحهم 33.3% بنهاية السنة الخامسة، والذين سيبحثون لهم عن موطء قدم للاستقرار في مكاتبهم الدائمة مستقبلًا عند شعورهم بالطمأنينة والنجاح؛ ما يعني أن المنتج لا يتضمن زرع الولاء الدائم لاستخدام المنتج، فالناجح سيرحل والمتعثر سيرحل أيضًا، أضف إلى ذلك؛ هل سيتحمل الرياديون الأسعار المرتفعة للتأجير وهم بالأساس يعانون من ضعف التدفقات النقدية كمبتدئين؟

الخلاصة:

مشروع الشركة يحتاج لتكاليف في الأصول، ومصروفات تشغيلية عالية لبنود الكهرباء والصيانة والأدوات المكتبية والرواتب ومواقف السيارات، ومصروفات فوائد القروض والإيجارات طويلة الأمد، علمًا بأنه كلما زادت نسبة التشغيل زادت معها المصروفات التشغيلية.

وهي أعلنت عن نتائجها المالية المنتهية في يونيو 2019، بمبيعات 2.6 مليار وخسائر تشغيلية تبلغ مليارين وديون 2.4 مليارات.

ب‌- الاستراتيجيات:

عندما تتبنى المنشأة استراتيجية لا تلائم قدراتها وتحملها ومواردها تكون التكلفة باهظة عادة، فتبني استراتيجية البيع بالأجل بنسب عالية تؤدي عادة إلى عجز في التدفقات النقدية، ومن ثم إلى إعاقة النمو والحركة،وهو أمر مقلق في حال التباطؤ الاقتصادي أو الأزمات، المثال على ذلك: شركتا الشرق الأوسط والحمادة من قطاع الرعاية الصحية، والتي لديهما ارتفاع في نسبة الذمم المدينة إلى نسبة الإيرادات؛ حيث تشكل 74 و64% على التوالي حسب تقرير “الجزيرة كابيتل” في 9 يونيو 2019م.

ما الذي يمكن أن يفعله الريادي عندما يكون 75% من دخله مستحقات، كيف سيتغلب على المصروفات ومعالجات التشغيل واستغلال الفرص السوقية؟!

المنشأة الريادية الحديثة

ج‌- القرارات التكتيكية السريعة وصناعة الأزمة:

قرر صاحب إحدى المنشآت الريادية، بعد مضي 3 سنوات ونصف السنة على معالجة خلل في منشأته، إيقاف ضخ أي مبالغ لها علاقة بزيادة الأصول أو الإحلال أو الصيانة أو الاستهلاك، واستمر بالإيقاف لمدة 12 أسبوعًا، والنتيجة هي انخفاض حاد في المبيعات بمقدار 40% بنهاية الشهر الثالث، وتحول جزء من عملاء المحل إلى المنافسين له في السوق.

والاستعداد للأزمات ومقاومة الهشاشة تتطلب:

1. بناء قاعدة بيانات لتجنب محاولات الحلول العشوائية (نظام محاسبي).

2. الالتزام من قِبل الريادي بالأنظمة المحاسبية؛ لرفع مستوى الثقة في القرارات.

3. تحليل البيانات المحاسبية (التحليل المالي)؛ لتقويم الضعف وتعزيز القوة.

4. تقييم المنشأة واختبار كفاءة القدرة واحتمالية الاستمرار بنهاية كل سنة مالية.

5. مراقبة الرافعة المالية والتشغيلية وربطهما بنموذج الأعمال و الاستراتيجيات والقرارات التكتيكية.

6. الاهتمام بالمبيعات والتدفقات النقدية وكفاءة استخدام الأصول ورأس المال العامل.

7. تجنب الديون القذرة (ديون عالية الالتزامات)، وإذا كان لا بد منها  يُنصح بعدم الزيادة عن 25% من قيمة تقييم المنشأة.

8. وجود عضو مستقل مشارك من أهل الاختصاص والخبرة.

وفي النهاية، فإن ما ذُكر هو خارطة طريق لها تفصيلاتها التي تهدف لتقليل هشاشة المنشأة وزيادة قدرتها على البقاء والاستمرارية، سواء كانت المخاطر معلومة أو مجهولة المصدر.

علي  عدنان حداد

الرابط المختصر :

عن رواد الأعمال

مجلة رواد الأعمال Entrepreneurs هي مجلة فاعلة في مجال التوعية بثقافة ريادة الأعمال وتطوير الفرص الوظيفيّة المتنوّعة للشباب والشابّات في المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وهي الدعامة الأساسيّة لتفعيل المزايا التنافسية لهذه المؤسّسات من خلال استعراض تجارب نخبة مميزة من الناجحين في مختلف الميادين واستخلاص ما يفيد الأجيال المقبلة.

شاهد أيضاً

نصائح لرواد الأعمال في الفترة الحالية

4 نصائح لرواد الأعمال في الفترة الحالية

مما لا شك فيه أن النجاح هو حلم يراود كل رواد الأعمال، ولكن حُلم النجاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.