جوهر المسؤولية الاجتماعية

جوهر المسؤولية الاجتماعية وسبل إنقاذ الرأسمالية

يبدو جوهر المسؤولية الاجتماعية غريبًا على الرأسمالية، واقتصاد السوق الحر، وحرية رأس المال، لكن لنفكر مليًا في هذا الجوهر _لنر إن كانت الأمور في الحقيقة كما هي أم أن وراء الأكمة ما ورائها_ فالمسؤولية الاجتماعية وليدة النظام الرأسمالي ذاته، ولم يبدعها مفكرون اشتراكيون، وإنما خرجت من رحم المجتمع الصناعي.

وبالتالي فإن جوهر المسؤولية الاجتماعية رأسمالي حتى النخاع، فلم يكن القصد من إبداع هذه النظرية الإشارة إلى مساوئ هيمنة رأس المال، وإنما محاولة التخفيف من حدة الآثار السلبية لممارسات المراكز الصناعية المتروبوليتانية.

يطرح علينا هذا التصور سؤالًا مهمًا: ما جدوى المسؤولية الاجتماعية؟ وما مدى قدرتها على حل المشكلات الاجتماعية، البيئية، الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الحديث؟

لكن محاكمة المسؤولية الاجتماعية لن تكون ذات جدوى، ولن تقودنا إلى شيء ذي بال، طالما أنها ليست إلا فرع عن أصل كبير هو الرأسمالية، والمساءلة، إذًا، يجب أن توجه إلى قلب النظام الرأسمالي وليس إلى آثاره.

اقرأ أيضًا: استدامة الشركات وركائزها

الحتمية الميكانيكية

في خضم استقرائها لمجرى تاريخ تطور المجتمعات البشرية، واستشراف مستقبلها، وقعت الاشتراكية العلمية في خطأ فادح هو الحتمية الميكانيكية؛ حيث صورت لنا أن الانتقال من المجتمع المشاعي البدائي إلى مجتمع العبودية ثم إلى المجتمع الإقطاعي، فالرأسمالي ثم الاشتراكي أمر محتم لا يقبل التغيير ولا التبديل.

وبغض النظر عن هذه اللوحة الخماسية لمجرى التاريخ البشري، وتطور المجتمعات الإنسانية، ومدى صحتها من عدمه، فإن هناك أمرًا مهمًا، يعنينا في هذا الصدد، وهو ذاك الذي يعني أن الاشتراكية العلمية _والتي هي مفرطة في التفاؤل بالمناسبة_ ترى أن شتى السبل لإنقاذ الرأسمالية لن تجدي نفعًا، ومن ثم لن تكون المسؤولية الاجتماعية سوى معول هدم في جدران النظام الرأسمالي.

جوهر المسؤولية الاجتماعية

وعللوا ذلك بالإفراط في الإنتاج، وعدم القدرة على تصريف البضائع، وصنع جيش احتياطي من العاملين (أي العاطلين). ليس هذا فحسب، بل إنهم ذهبوا إلى أن التوجه إلى المرحلة التي تلي الرأسمالية أمر لازم ومحتم، غير أن التاريخ كذّب _حتى الآن على الأقل_ هذه التصورات؛ فالرأسمالية أثبتت قدرتها على التصدي للتحديات، وأظهرت قدرًا من المرونة لم نعهد له مثيلًا.

اقرأ أيضًا: لماذا يجب أن تأخذ المسؤولية الاجتماعية على محمل الجد؟

هل المسؤولية الاجتماعية مجدية؟

هذا سؤال يصعب الإجابة عنه؛ إذ تتطلب إجابته الانتماء إلى معسكر فكري/ اقتصادي أولًا ثم الإجابة وفقًا لرؤى وتصورات هذا المعكسر؛ فأنصار الرأسمالية سيعلون من شأن المسؤولية الاجتماعية، وقدرتها على تحقيق الرفاه الاجتماعي والخير العام.

أما المتعلقون بأهداب الاشتراكية _بشتى مدراسها وأطيافها_ فسيؤكدون أن كل محاولات إنقاذ الرأسمالية لن تكون سوى مسامير تُدق في نعشها؛ فهذا النظام الاقتصادي، حسب زعمهم، يحمل في طياته تناقضات داخلية كفيلة بالإطاحة به.

والحق أن هذين الطرفين احتاجا إلى واسطة؛ فالمسؤولية الاجتماعية ليست المسمار الأخير في نعش الرأسمالية، وإنما هي، بعيدًا عن هذا وذاك، محاولة واعية، عقلانية من النظام الرأسمالي لإصلاح أخطائه، ومعالجة السلبيات التي جرها على المجتمع وعلى المحيط الحيوي والموارد الطبيعية بشكل عام.

ومدى نجاحها من عدمه مرتهن بالتطبيق وليس بالنظرية، فليس من المهم خندقة هذه النظرية لصالح هذا المعسكر أو ذاك، وإنما المهم التطبيق وقياس النتائج، ومدى قدرتها على تنمية المجتمع والدفع به قُدمًا.

وحال التطبيق الأمثل سيبدو جوهر المسؤولية الاجتماعية غريبًا على كل المعسكرات الاقتصادية والتيارات المتنازعة، وربما تكون (المسؤولية الاجتماعية) طريقًا ثالثًا/ وسطًا بين معسكرين فكريين متناحرين منذ أمد بعيد.

اقرأ أيضًا:

الرأسمالية الواعية والمسؤولية الاجتماعية للشركات

نظرة على المسؤولية الاجتماعية عالميًا أثناء أزمة كورونا

المسؤولية الاجتماعية وتحسين علاقات العملاء

الرابط المختصر :

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

كيف يستفيد الموظفون من المسؤولية الاجتماعية

كيف يستفيد الموظفون من المسؤولية الاجتماعية للشركات؟

تزخر الأدبيات النظرية في الاقتصاد والاجتماع بالإشارة إلى الفوائد التي يمكن أن تحققها الشركات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.