التمويل

تعزيز الجاهزية من خلال التمويل المستدام

لقد أصابت جائحة كوفيد-19 الاقتصاد العالمي بصدمة قوية؛ ما جعل جعلت الشركات أمام مواجهة احتمالات مجهولة غير مسبوقة، ففي غضون عدة أشهر فقدَ الملايين وظائفهم، وتدهورت أحوالهم المعيشية؛ إذ تتوقعُ المنظمات الدولية أن يتراوح نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020 ما بين -8.8 % و1 %.

ومن المؤسف، أن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع عدد من يعيشون في فقر مدقع بنحو 420 مليون شخص هذا العام؛ فوفقًا لتقديرات منظمة العمل الدولية أنَّ أربعة من كل خمسة عمال حول العالم قد تأثروا بإجراءات الإغلاق الجزئي والكامل؛ ما أدى إلى خسارة 195 مليون وظيفة في الربع الثاني من عام 2020.

ومهما كانت هذه التوجهات مثيرة للقلق، فلا يمكن مقارنتها بالدمار الذي قد يسببه تغير المناخ في العقود القادمة في غياب العمل الجماعي والقرارات الحازمة، فلأول مرة في التاريخ يوضحُ تقرير المخاطر العالمية لعام 2020 -الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي- أنَّ جميع المخاطر طويلة الأمد المحتملة هي بيئية، وأنّ تغير المناخ هو أكبر تهديد يواجه العالم اليوم.

وبسبب طبيعتنا الجغرافية، فإن منطقتنا بالذات مهددة؛ إذ يتوقع البنك الدولي أن تتكبد دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خسائر ما بين 6 % إلى 14 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050؛ بسبب تأثير أزمة المياه -المرتبطة بالمناخ- على الزراعة والصحة والدخل؛ ما يجعلها المنطقة الأكثر تضررًا جرَّاء ذلك.

وفي محاولة لسد بعض الثغرات المعرفية في تعزيز الجاهزية والمرونة الاقتصادية للدول دون إضافة ضغط على البيئة، وضعنا دراسة بعنوان “تعزيز الجاهزية.. التمويل المستدام في الأسواق الناشئة” تبحث في الاتجاهات العالمية الرئيسة، وأفضل الممارسات المتبعة لتسريع دمج عوامل الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في السياسات؛ لدعم خطط التعافي الاقتصادي الأخضر والمستدام بعد جائحة كوفيد-19.

التمويل

تؤكد الدراسة أنَّ خطط التعافي للاقتصاد الوطني يجب أن تضع الاستدامة وبناء المرونة في صميمها من خلال اعتماد التمويل المستدام؛ كونه نهجًا شاملًا للخدمات المالية يدمج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، وحوكمة الشركات في جميع عمليات صنع القرار وأطر السياسات والممارسات المتبعة.

ويهدف التمويل المستدام أساسًا إلى توجيه استثمار الموارد المالية لحل القضايا العالمية الملحة؛ مثل تغير المناخ، وعدم المساواة في التنمية الاقتصادية، علمًا بأن التمويل المستدام لا يقتصر على المشاريع التي تركز على البيئة فقط.

ولا شك في أنَّ هذه الاستثمارات مجدية وذات عائد اقتصادي مجزٍ، مع دورها نحو المجتمعات، فمقابل كل دولار يُستثمر في بنية تحتية مستدامة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يصل العائد على الاستثمار إلى 4 دولارات.

وعندما ننظر إلى ما بعد كوفيد-19، نجد أن حكومات مجموعة العشرين وحدها خصصت دعمًا ماليًا بلغ 11.5 تريليون دولار؛ للتخفيف من التداعيات الاقتصادية للجائحة، كما سلّطت المنظمات الدولية- مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- الضوء على توجه هذه البلدان إلى استخدام رُزم التحفيز هذه نحو الاستثمار المستدام؛ لمنع التهديدات البيئية على المدى الطويل.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اكتسب التحول نحو التمويل المستدام زخمًا في جميع أنحاء العالم؛ ففي عام 2018 استخدمت 80 % من كبرى الشركات حول العالم، معايير المبادرة العالمية؛ لإعداد تقارير حول تأثير أعمالها على قضايا مثل تغير المناخ وحقوق الإنسان.

وفي عام 2019 طبق 75 % من المستثمرين (أفراد ومؤسسات) مبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية، وحوكمة الشركات؛ من خلال ربع محافظهم الاستثمارية على الأقل، كما قيدت البنوك شروط القروض المتعلقة بأداء الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات؛ حيث بلغت القروض المرتبطة بالاستدامة 71.3 مليار دولار حتى الربع الثالث من عام 2019. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أطلق سوق دبي المالي مؤشر الإمارات للحوكمة والمسؤولية البيئية والاجتماعية في عام 2020؛ لتشجيع الشركات المدرجة في الدولة على التعجيل بتبني أفضل ممارسات الحوكمة البيئة والاجتماعية وحوكمة الشركات، وربط المستثمرين الدوليين بالشركات ذات المسؤولية الاجتماعية في الأسواق الناشئة.

ومن الأمثلة الواعدة على التمويل المستدام والناجع في الإمارات هو الصكوك الخضراء، ففي إطار دعم الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، تستخدمُ الوسائل اللازمة لتمويل المشاريع الخضراء الحالية والمستقبلية، مع التركيز على المباني الخضراء، والطاقة المتجددة، والإدارة المستدامة للمياه، وترشيد الطاقة.

لقد أصبح ترسيخ الاستدامة والاعتبارات البيئية في خطط التعافي الاقتصادي أمرًا حتميًا؛ فلا شك في أن إعادة بناء الاقتصادات يتصدر جدول أعمال جميع الدول حاليًا، مع الوضع في الاعتبار أن الأمر قد يستغرق عدة سنوات؛ حتى يتعافى الاقتصاد من جائحة كوفيد-19.

وفي ذات الوقت، يُعد موضوع الاستدامة البيئية أمرًا مصيريًا؛ لضمان تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وتحقيق أهدافنا المتعلقة بالتغير المناخي من أجل الحلول، دون وقوع كارثة مدمرة في عالمنا؛ حيث يقدم العقد القادم فرصة لن تتكرر للأسواق الناشئة؛ لإعادة توجيه أولوياتها المالية نحو بناء مستقبل أكثر استدامة ومرونة.

اقرأ أيضًا:

أهداف تمويل الشركات.. متى تستعين بأموال غيرك؟

بنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة.. مظلة الحلول التمويلية

الدفع الإلكتروني.. طريقك لتنمية مشروعك

الرابط المختصر :

عن إبراهيم الزعبي

شاهد أيضاً

تمويل المشاريع الصغيرة

هل أنت مؤهل للحصول على تمويل المشاريع الصغيرة؟

هل تعرف ما يلزم للتأهل للحصول على تمويل المشاريع الصغيرة؟ هل تعلم أن التشريع العالمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.