تطوير المهارات الاجتماعية

تطوير المهارات الاجتماعية.. أسس التعامل مع الآخرين

هل نحن بحاجة حقًا إلى تطوير المهارات الاجتماعية؟ هل نحن حقًا محتاجين إلى أن نكون أكثر انخراطًا مع البشر؟ تلك أسئلة لا يمكننا، والحق يُقال، تقديم إجابة جازمة عنها، صحيح أن هناك من جزم بأن الوحدة هي الجوهر، وأن العلاقات الاجتماعية، من أهمها إلى أتفهها، ليست سوى أمور عارضة.

ألم يقل ماكس شترنر في كتابه القيّم «الأوحد وملكيته»:

«مَن يريد أن يكون إنسانًا حقًا لا يحتاج كيانه إلى أي نفوذ».

من وجهة النظر هذه، فلستَ، سيدي القارئ، بحاجة إلى تطوير المهارات الاجتماعية، بل إن عليك، كما يذهب «شترنر» وآخرون كثر، أن تغسل يديك من كل التعلقات البشرية، وأن تسهر على ذاتك، وأن تسبر، على الدوام، أغوار روحك؛ كي تفهم نفسك، ومن ثم «العالم المعاش»، إن نحن أردنا التحدث بلسان عالم الاجتماع الألماني الشهير يورجين هابرماس.

اقرأ أيضًا: التغلب على التفكير المفرط.. دوامات بلا قرار

السقوط بين يدي البشر

لدى الفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هيدجر؛ مؤلف الكتاب العُمدة «الوجود والزمان» (والمنقول إلى العربية عبر ترجمتين)، فكرة لافتة جدًا ومثيرة للغرابة إن رُمت الدقة، فالرجل يتحدث عما يسميه «السقوط»، والسقوط الذي يعنيه الفيلسوف الوجودي هو السقوط بين يدي البشر.

يؤمن فيلسوف الغابات السوداء (حيث انتحى في آخر حياته إلى هذه الغابات السوداء في ألمانيا) أن العلاقات البشرية سقوط، وأن المرء لا يكون حرًا ولا حقيقيًا إلا وحيدًا.

تُرى هل قصد محمود درويش المعنى ذاته حين قال:

«فأشهد أنني حر وحي حين أُنسى»؟!

وبالعودة إلى هيدجر: فإنه يرى أن وجودنا وسط البشر ضروري _ولهذا السبب أنت بحاجة إلى تطوير المهارات الاجتماعية_ لكن هذا الوجود «الضروري والاجتماعي» وجود مزيف، غير حقيقي، إنه سقوط، الوجود الحقيقي وجود متوحد. مَن غير هيدجر سيقول ذلك؟

الوجود الفرد، بناءً على أطروحات هيدجر، هو الوجود الحقيقي، والذات لا تكون حقيقية إلا عندما تنفرد بذاتها.

اقرأ أيضًا: التغلب على التفكير المفرط.. دوامات بلا قرار

الوحدة هي الجوهر

في الدراسات الاجتماعية ثمة وجهتي نظر متنازعتين، الأولى ترى أن الوحدة هي جوهر الوجود الإنساني الحق والأصيل، وأن النزوع الإنساني ما هو إلا آية من آيات الضعف والهشاشة.

فـ «المجتمع يوبد من ضعف الفرد» (انظر كتاب الحياة المشتركة: بحث أنثروبولوجي عام، ص 37).

بل يرى أصحاب وجهو النظر تلك إن الإنسان، الحقيق بهذا الوصف، متوحد أبدًا، يقول موريس بلانشو:

«ويعلم الإنسان الحقيقي أنه وحيد، وإنه ليقبل أن يكون كذلك».

أما وجهة النظر الأخرى، التي تشدد على أهمية العلاقات الاجتماعية، وعلى ضرورة تطوير المهارات الاجتماعية فيتزعمها أقوام كثيرون، من السلف كما الخلف، ولعل آخر هؤلاء القوم فيلسوف الاعتراف الألماني الشهير «أكسيل هونيث» ومن قبله «هيجل» وتزفيتنا تودورف خاصة في كتابه «الحياة المشتركة» الذي اقتبسنا منه من قبل.

وعلى الرغم من إيمانه بأهمية الحياة المشتركة، وجدوى الجمعنة بين البشر، فإن «تزفيتان تودورف» ختم كتابه قائلًا:

«لم تضمن الحياة المشتركة أبدًا، وفي أفضل الحالات، سوى سعادة هزيلة». (الحياة المشتركة، ص 233).

وذلك طبعًا أمر مثير للسخرية، فالمؤلف الذي أسهب، على طول الكتاب وعرضه، في الدفاع عن وجهة النظر الاجتماعية، وعن أهمية تطوير المهارات الاجتماعية، خَلُص في نهاية المطاف إلى أن الحياة وسط البشر لا تضمن سوى سعادة هزيلة، هذا إن لم تجلب السأم وخيبة الأمل.

اقرأ أيضًا: كيف تعبر عن رأيك بوضوح؟

تطوير المهارات الاجتماعية

لكن، وعلى الرغم من كل ما سلف، وعلى الرغم من إيمان كاتب هذه الكلمات نفسه بأن الوحدة هي الأصل والأساس، وأن المرء يجني من عسل الوحدة ما لن يدركه المنخرطون وسط البشر، فإننا مضطرون إلى أن نكون مع الناس، وأن ندشن علاقات اجتماعية مهما كان نوعها؛ إذ يفرضها العمل أو الحياة الشخصية أو غير ذلك.

ومن ثم فإن تطوير المهارات الاجتماعية خيار الضرورة، ولا بد أحيانًا مما لا بد منه، كما كان يقول محمود محمد شاكر في كتابه «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا».

لكن السؤال هو: كيف السبيل إلى تطوير العلاقات الاجتماعية؟ لا تقلق نحن هنا في «رواد الأعمال» من أجل خدمتك، ومن ثم إليك جواب ما عنه سألت.

  • راقب صوتك

عند التحدث إلى البشر يجب أن تعلم أن «الصوت هو ما يحدد كل شيء» كما قال ميلان كونديرا في روايته «البطء»، وذاك استبصار لافت حقًا.

فمستوى الصوت المرتفع جدًا أو المنخفض جدًا، أو التحدث بسرعة كبيرة أو ببطء شديد، كلها أمور لن تجسّر العلاقة بينك وبين البشر، لا تنفر القوم منك إذا أردت أن تعرف كيفية تطوير المهارات الاجتماعية مع أغيارك من بني البشر.

كن واثقًا مما تقول، وأيضًا دع نبرة صوتك تخبر الناس بأنك تثق بهم وتوليهم انتباهك. ذاك تمرين جد عسير لكنه مهم على نحو كبير.

ومن استطاع اختيار نبرة الصوت المناسبة عند التحدث، سيتمكن، كما «بونتوفان» في رواية «البطء»، من جذب كل الأسماع إليه، ويستحوذ على آذانهم حقًا، ومن ثم ستتجسر بينه وبين البشر وشائج شتى.

تطوير المهارات الاجتماعية

اقرأ أيضًا: تطوير عادات جديدة.. استراتيجية علمية لتغيير حياتك

  • بدء المحادثة

أحد أهم الأمور، وأصعبها أيضًا، في مسألة تطوير المهارات الاجتماعية هو معرفة السبيل لبدء محادثة على نحو جيد. ليست تلك مسألة هينة خاصة إذا لم تكن تربطك بالشخص الذي تود التحدث إليه أي علاقة.

كن حكيمًا، ولا تتوجه إلى الناس مباشرة بسؤال شخصي، كيف يحق لك أن تسأل شخصًا غريبًا عنك أسئلة شخصية؟! ولكن يمكنك بدلًا عن ذلك التعليق على حالة الطقس، أو الثناء على ملابسهم أو طريقة تصفيف شعورهم أو أي أمر عام آخر.

لكن المهم ألا تتوجه إلى أمور شخصية هكذا فجأة ومن دون مقدمات أو بلا سابق إنذار.

اقرأ أيضًا: الذكاء العاطفي لدى القادة.. فن إدارة المشاعر

  • تعميق الكلام

كونك عرفت السبيل إلى بدء المحادثة فهذا لا يعني أن طريق تطوير العلاقات الاجتماعية أمسى مهيئًا بالنسبة لك أو معبدًا، وإنما لزامًا عليك أن تعرف كيف تطور المناقشة، وأن تنتقل من العام إلى الخاص والشخصي.

ولك أن تعلم أن تطوير المهارات الاجتماعية شغل؛ فهمها كان الطرح الذي صدّرنا به المقال منطقيًا، فإن العلاقات الاجتماعية مهمة في الكثير من الحالات.

والحديث والمناقشة هو بوابة تطوير العلاقات الاجتماعية، ألم يقل ميلان كونديرا في رواية «البطء»:

«الحديث ليس تزجية للوقت، بل هو على العكس، تنظيم له، يتحكم في الوقت ويملي عليه قوانينه الخاصة التي ينبغي احترامها». (البطء، ص 29).

اقرأ أيضًا: كيف تحافظ على إيجابيتك؟.. طرق تُحسّن نظرتك للحياة

  • لغة الجسد

الكلام مهمًا لكنه ليس كل شيء، في الغالب، أغلب ما نفهمه لا نحصل عليه عن طريق الكلام، وأغلب ما نرسله للناس من رسائل ومعان لا نقولها صراحة، وإنما نستخدم لغة الجسد لإيصالها.

يقول جسدك (نظرة عينك، ابتسامك، وضعية جلوسك أو وقوفك) الكثير من الأشياء عنك، وإذا أردت أن تعرف كيفية تطوير المهارات الاجتماعية فإن عليك أن تنظر إلى أعين الناس، أن تنظر في العين بالأحرى، وأن توزع نظراتك على من تتحدث معهم بالتساوي (هل فكرت يومًا أنه من الظلم تجاهل النظر إلى شخص ما؟!)، وأن تبتسم من وقت لآخر أثناء الحديث.

لا تقف معقود الذراعين، فإن فعلت، فهذا معناه أنك تشعر بالسأم، أو أنك لا ترغب في إكمال المحادثة، أو أنك تتجاهل الناس وتقيم بينك وبينهم حدودًا لا يتعين عليهم تخطيها.

اقرأ أيضًا:

الحفاظ على الشغف.. كيف تنجو من عثرات منتصف الطريق؟

المهارات الناعمة.. كيف تُغيّر حياتك؟

طرق صناعة القادة.. استراتيجيات أساسية

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

تطوير الذات

مهارات لتطوير الذات يمكنها أن تغيّر حياتك

أكدت العديد من الإحصائيات العالمية أن جيل الألفية مهووس بتطوير الذات؛ لكن هذا لا يعني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.