الميزة النسبية

الميزة النسبية.. التبادل والاستفادة من الفرص

لئن كان ثمة جدل نظري أكاديمي الطابع حول أصل نظرية الميزة النسبية، ومن هو صاحبها الأساسي؟ ديفيد ريكاردو أم جون ستيورات مل؛ فإن تلك انشغالات تخص مبحث تاريخ الأفكار.

وغاية ما نصبو إليه هنا أن نميط اللثام عن ماهية هذا المفهوم، وأن نفض ذاك الاشتباك الحادث بين نظرية الميزة النسبية كمصطلح وبين مفاهيم ومصطلحات أخرى على رأسها: الميزة المطلقة، الميزة التنافسية أو القيمة المضافة، وأخيرًا وليس آخرًا تكلفة الفرصة البديلة.

صحيح أن ديفيد ريكاردو حين بسط نظرية الميزة النسبية في كتابه «مبادئ الاقتصاد السياسي» كان يفكر في مسألة التجارة الحرة، وفتح الحدود أمام السلع المخلتفة، وتعزيز التبادل التجاري بين الدول المختلفة، إلا أن هذه النظرية في الواقع تنظوي على الكثير من التعالقات العامة، التي تجلعها لا تقتصر على مسألة التجارة الحرة وإن كانت بالطبع وثيقة الصلة بها.

اقرأ أيضًا: واقع التجارة الإلكترونية بالمملكة.. ازدهار واعد

تكلفة الفرصة البديلة

قلنا إن نظرية الميزة النسبية مرتبطة على نحو وثيق بنظرية أخرى هي نظرية تكلفة الفرصة البديلة _بغض النظر عن: هل هي نظرية اقتصادية راسخة الأركان أم مجرد مفهوم_ ولهذا فليس من الممكن فهم الميزة على نحو جلي وواضح إلا من خلال فهم تكلفة الفرصة البديلة.

وباختصار يمكن القول إن تكلفة الفرصة البديلة هي الخسارة التي سنتكبدها حين نختار خيارًا ما، واحدًا فقط، من ضمن عدة اختيارات مطروحة أمامنا.

فعلى سبيل المثال: لو كان أمامك اختياران: X وY ثم قررت أنت اختيار X فإن ما كنت ستربحه لو اخترت Y هو ذاك بالضبط ما يسمى “تكلفة الفرصة البديلة”.

تفترض هذه النظرية، وإن بشكل غير مباشر، تكافؤ الاختيارات المطروحة أمامنا، وكوننا عقلانيين في الاختيار أيضًا. وتلك مسائل تحتاج إلى مزيد بيان وبسط وهو ما لا يسمح به المقام الحالي.

اقرأ أيضًا: ريادة الأعمال النسائية في السعودية.. مزيد من التمكين

ما هي الميزة النسبية؟

والآن بعد أن مهدّنا بعرض مختصر لمفهوم تكلفة الفرصة البديلة آن أوان أن نعرف ما هي الميزة النسبية؟ وما هو المقصود بها؟

تُعرّف الميزة النسبية بأنها قدرة الاقتصاد على إنتاج سلعة أو خدمة معينة بتكلفة أقل من شركائه التجاريين؛ حيث تمنح الشركة القدرة على بيع السلع والخدمات بسعر أقل من منافسيها وتحقيق معدلات مبيعات وهوامش ربح أقوى.

ولنلاحظ أن جودة المنتج هنا ليست أحد المعايير الأساسية، وإنما المعيار الأساسي هو تكلفة الفرصة البديلة.

تتساوى السلع فيما بينها إلا أن واحدة منها تتميز عن أغيارها بميزة معينة في ظل ظروف معنية، فالميزة نسبية؛ أي محصورة على وقت محدد وربما على مكان وظروف محددين.

والثابت هنا أن الميزة النسبية لا تتحول ولا تعني بأي حال من الأحوال الميزة المطلقة، تلك التي تشير إلى التفوق غير المتنازع عليه لبلد ما لإنتاج سلعة معينة بشكل أفضل، وإنما هي مجرد نتاج لبعض العوامل والظروف التي لا بد أنها عابرة ومؤقتة، وإن دامت لبعض الوقت.

هذا المعطى يؤكد أنه من الواجب على الشركات، بل الدول، إن كنا نتحدث على صعيد التجارة الدولية، ألا توقف البحث عن الميزة النسبية بشكل مستمر ومطرد، وإلا فقد تُفوّت على نفسها الكثير من المزايا والمكاسب والفرص.

الميزة النسبية

اقرأ أيضًا: تأثير المنشآت الصغيرة والمتوسطة في التنمية الاقتصادية

نظرية عن التوفير

ربما أمكننا القول دون كبير مجازفة إن الميزة النسبية هي نظرية عن التوفير وفي التوفير أيضًا، فمثلًا ينتج العمال الصينيون سلعًا استهلاكية بسيطة بتكلفة فرصة أقل بكثير، ولو أخذنا الولايات المتحدة بعين الاعتبار في هذا المثال سنجد أن الميزة النسبية لها تتمثل في العمالة المتخصصة كثيفة رأس المال؛ حيث ينتج العمال الأمريكيون سلعًا أو فرصًا استثمارية متطورة بتكاليف فرصة أقل. وبهذا المعنى يمسي التعاون بين هذين البلدين مفيدًا لكليهما.

اقرأ أيضًا: نصائح تاداشي ياناي لرواد الأعمال.. كبسولة ريادية لتحقيق النجاح

تنوع المهارات

وطالما أننا سقنا الأمثلة السابقة، القديم منها والمعاصر، وطالما أن الميزة النسبية في حد ذاتها نظرية مرتبطة بالتبادل التجاري، فمن المؤكد أن كلمة السر هنا هي التنوع في المهارات؛ فلكي نضمن لكل الأطراف مكاسب معينة _وإن اختلفت ماهية هذه المكاسب بطبيعة الحال_ لابد أن نعمد إلى الاستفادة من المهارات المتاحة لدى كل طرف من هذه الأطراف.

وثمة مثال شائع يسوقه المتخصصون في النظرية الاقتصادية مفاده كالتالي: لنفترض أن مايكل جوردان؛ البطل الرياضي المشهور، يجيد طلاء المنازل، واحتاج إلى أن يطلي منزله، وكان من المتوقع أن ينهي هذا العمل في 8 ساعات فقط، لكنه إن فعل ذلك فسوف يُفوّت على نفسه على فرصة تصوير إعلان تلفزيوني يربح من خلاله 50 ألف دولار على سبيل المثال، فكم هي بالغة تكلفة الفرصة البديلة إذًا!

لكن إن عمد مايكل جوردان إلى الاستعانة بأحد المتخصصين في طلاء المنازل، واستغرق منه الأمر 10 ساعات وليس ثماني، ثم دفع 100 دولار مقابل ذلك، فإن الطرفان رابحان، وتلك هي النقطة الأساسية في نظرية الميزة النسبية.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

عن محمد علواني

شاهد أيضاً

ما توفره ريادة الأعمال من مميزات

ما توفره ريادة الأعمال من مميزات.. المجال الأقوى لنمو الاقتصادات

تؤدي ريادة الأعمال دورًا محوريًا في نمو الاقتصادات منذ مطلع القرن العشرين، إنها تُحفز التحولات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.